كتبت/ سحر علي

في المشهد الثقافي والإعلامي اليمني، حيث تتقاطع أسئلة الهوية والمعنى مع تحديات الواقع، تبرز تجارب شابة تسعى إلى إعادة الاعتبار لفكرة الرسالة بوصفها فعلاً إنسانياً يتجاوز حدود المهنة. ومن بين هذه التجارب تبرز يسرا الجاكي، التي تنقلت بين الإعلام وإدارة الاتصال المؤسسي والإخراج البصري، مدفوعة بإيمان راسخ بأن التأثير الحقيقي لا يُقاس بحجم الحضور، بل بعمق الأثر الذي يتركه في حياة الناس.

يسرا، وهي امرأة متزوجة وأم لطفلة، لا تنظر إلى مسيرتها بوصفها سلسلة من الوظائف أو الأدوار المهنية، بل رحلة متواصلة للبحث عن التأثير وصناعة التغيير. فمنذ سنوات الدراسة الأولى، بدأت تلاحظ قدرتها على التأثير في سلوك من حولها، من خلال الأنشطة المدرسية وتفاعل الطالبات معها، قبل أن يتسع هذا الأثر لاحقاً مع انتقالها بين مجتمعات مختلفة وانخراطها في العمل المجتمعي والإعلامي.

تقول يسرا: "لاحظت قدرتي على التأثير في السلوك البشري لمن حولي منذ سنوات عديدة، ومع الوقت انتبهت إلى أن أهم نقاط قوتي هي التأثير".

وتضيف: "مهما تعددت أشكال الوظائف أو المهام التي أقوم بها، إن لم يكن أساسها التأثير، فأنا أشعر أنني لا أؤدي رسالتي بالشكل المطلوب".

التأثير يبدأ من فهم الإنسان

أتاح التنقل بين العمل الإعلامي وإدارة الاتصال المؤسسي والإخراج البصري ليسرا الجاكي أن تطور قدرة خاصة على قراءة الجمهور وفهم ما يصنع الأثر الحقيقي والمستدام. وخلال عملها في حملات ومشاريع متنوعة، أدركت أن الوصول إلى الناس لا يتحقق بالرسائل نفسها دائماً، بل بفهم المشاعر والدوافع الكامنة خلف كل قضية.

وتقول: "استطعت أن ألمس المشاعر خلف الحملات، فهناك حملات تحتاج أن أظهر الألم والقصة أولاً لكي تلقى التأثير، وهناك حملات أخرى تهتم بالنجاح الحالي، وأخرى لا يهمها سوى الأرقام". وترى أن الذكاء الاجتماعي والقدرة على تحديد احتياجات الجمهور يمثلان عاملاً حاسماً في نجاح أي رسالة أو مشروع.

هذا الفهم امتد أيضاً إلى رؤيتها للعلاقات المهنية والإنسانية، التي تعتبرها جزءاً أساسياً من أي مشروع ناجح. فبالنسبة لها، لا تكمن أهمية العلاقات في عددها، بل في القدرة على بناء العلاقات المناسبة لكل مرحلة، واستثمارها بطريقة تخدم الأهداف دون استنزاف الوقت والجهد.

وتعبر: "الأذكى من العلاقات وعشوائيتها هو قدرتك على التمييز في نوع العلاقات التي تخدم كل مرحلة فعلاً". كما تؤمن أن مهارات التشبيك وبناء العلاقات الذكية تختصر كثيراً من المسافات عند قيادة المشاريع، خصوصاً أن القيادة تتطلب بعداً استراتيجياً يتجاوز حدود الإدارة التقليدية. وتضيف: "كل من له علاقة مباشرة أو غير مباشرة في المشروع الذي تديره فهو عميل محتمل، وشخص يجب عليك أن تتعامل معه بذكاء لكي تختصر المشاوير الطويلة عند تنفيذ المشاريع".

أولف.. بوابة الشغف 

شكّلت مبادرة "أولف" محطة فارقة في مسيرة يسرا الجاكي، إذ كانت النافذة التي اكتشفت من خلالها شغفها بالمحتوى البصري. فعندما أسست المبادرة، كانت ترى أن أبرز ما تمتلكه هو مهاراتها القيادية والإدارية، غير أن طبيعة المشاريع التي .عملت عليها دفعتها إلى خوض تجربة جديدة في المجال الإعلامي

ومع كون "أولف" مبادرة شبابية تطوعية لا تمتلك مخصصات مالية لتوظيف مختصين في الجانب البصري، وجدت نفسها تتعلم هذا المجال بنفسها، وتخوض تجربة التدريب الذاتي والتطبيق العملي في الوقت ذاته.

وتصف تلك المرحلة بقولها: "وجدت نفسي أعلّم وأدرّب نفسي عليه وأطبّقه، وكانت هذه من أجمل المفارقات التي جعلتني أكتشف شغفي الإعلامي".

ومن خلال هذه التجربة، تبلورت رؤيتها تجاه الرسالة الإعلامية، القائمة على الحقيقة والصدق والبساطة. فوسط عالم تصفه بأنه مليء بالزيف، ترى أن الإعلام ما يزال قادراً على إحداث الفرق عندما يكون صادقاً في محتواه وتنفيذه ونشره.

وتقول: "أعتقد أن الرسالة التي أعتبرها أولوية بالنسبة لي، وأحاول أن أوصلها في أي عمل إعلامي أقوم به، هي فكرة الحقيقة والصدق والبساطة". وتضيف أن الوقت أصبح مناسباً لرفض كل ما لا يمثل حقيقة الإنسان، وعدم الانسياق خلف الترندات دون وعي أو تفكر في قيمتها وتأثيرها الفعلي.

الاختلاف كقوة

ومن بين أهم التحديات التي واجهتها يسرا خلال رحلتها المهنية، تعلم الانفتاح الحقيقي على الآخرين وتقبل الاختلاف. فهي ترى أن العمل في مجالات الإعلام والتواصل يتطلب أكثر من مجرد الاستماع، بل يحتاج إلى الإصغاء العميق لفهم خلفيات الناس وتجاربهم المختلفة. وتقول: "كنت أتعلم أن أنصت لوجهات النظر المختلفة ثقافياً واجتماعياً، لدرجة أنني أشعر أنني أنصت لروح الشخص وليس فقط لما يخرج من فمه". وتؤكد أن هذه التجربة منحتها فهماً أعمق للناس وللظروف التي تشكل آراءهم وقناعاتهم.

كما واجهت تحديات أخرى تمثلت في الدفاع عن الأفكار غير المألوفة وتحمل نتائجها، إضافة إلى مسؤولياتها كامرأة متزوجة وأم لطفلة، وما يرافق ذلك من حاجة مستمرة لتحقيق التوازن بين الحياة الشخصية والمهنية. وتقول: "التحدي يكمن في أن أؤمن أنا كامرأة أولاً بنفسي وبأفكاري وقدرتي على إحداث فرق وتغيير، مهما حاول من حولي الاستنقاص من هذا الشيء".

ورغم تعدد التجارب التي خاضتها، لا ترى يسرا أنها وصلت بعد إلى المشروع الذي يمثل هويتها ورسالتها بصورة متكاملة. لكنها تنظر إلى مسيرتها بوصفها رحلة تشكل مستمرة، وتعمل حالياً على تأسيس وكالة خاصة بها تعكس القيم التي تؤمن بها والخبرات التي راكمتها خلال السنوات الماضية. معقبة: "لا أعتقد أنني إلى الآن قد استطعت أن أمثل شيئاً يمثل هويتي ورسالتي المتكاملة بشكل حقيقي، ولكنني حالياً في الطريق لإنشاء وكالة خاصة بي، تمثل القيم التي أتبناها وتمثل أغلب ما وصلت إليه حتى الآن".

أما على المستوى الثقافي، فتؤمن يسرا الجاكي أن اليمن لا يحتاج إلى صناعة هوية جديدة بقدر حاجته إلى استعادة ثرائه الثقافي والفني وإعادة تقديمه بروح تليق بتاريخه وتنوعه.وتوضح:

"المشهد الثقافي اليمني مشهد غني وحافل، كل الذي علينا هو إعادة إحيائه بما يرتقي لعظمته".

وفي رسالتها إلى الشباب الذين يمتلكون مواهب متعددة ويخشون التشتت أو التردد في البدايات، تدعوهم إلى خوض التجربة بثقة، واستثمار ما يمتلكونه من قدرات دون خوف من الفشل أو الانشغال المسبق بالنجاح. وتختتم حديثها بقول : "ابدأ، جرّب أي شيء، ولا تضع له توقعات بالفشل والنجاح، فقط ابدأ واستمتع بالرحلة وبنفسك وبنعم الله، واكتشف طريقك خطوة خطوة".