كتب/ ناصر بامندود

ولدت " نشوى" حفيدة مقدّم قبيلة الـ( السومحي) (41) وترعرعت في منطقة الخليف التابعة لأرياف المكلا، كانت أول حياتها المهنية راعية للأغنام ومزارعةً وقت موسم الأمطار، حياةٌ تقليديةٌ مثل سائر نساء المنطقة والقبيلة، غير أنها رفضت التنميط الاجتماعي وطاردت حلمها، لتكون أول دكتورةٍ أكاديميةٍ من بين سائر نساء قبيلتها الكبيرة متعددة البيوت وفي منطقتها، وما بين الراعية البسيطة إلى الدكتوره الأكاديمية طريقٌ مليئٌ بالصعوبات والعراقيل والتضييق والأثمان النفيسة.

نشوى الريفية

تروي الدكتورة نشوى: " منذ أن كنت في عمر الخامسة في السادسة صباحًا أذهب بصحبة عمتي وبعض نساء قبيلتي بالأغنام والبهم (صغار الأغنام) كل يومٍ ما بين الوديان متنقلين من وادٍ إلى آخر، وكذلك أعمل في جني (الصَّبِر) من الأودية والشعاب المحيطة بقريتنا، وفي الواحدة ظهرًا نجلس تحت الظلال إلى الثانية والنصف، بعدها نستكمل الرعي، حين يحين موعد الغروب نعود إلى بيوتنا ".

وتتابع:" في مواسم الأمطار أساعد عائلتي في الزراعة فأقص الأعواد وأحرث الأرض، حتى بلغت الصف الدراسي الرابع حينها كنّا نتنقل ونعيش في ديس المكلا وقت المدراس لكي نتعلم عندئذ كنت أرتاح من مشقّة وتعب الرعي، وفي الفترة التي لا تكون فيها مدارس نعود إلى قريتنا فأعود للرعي والحطابة، بعدها انتقلنا لغيل باوزير وأنا في المرحلة الثانوية وكانت لدينا مزرعة هناك، كنت أساعد عائلتي كذلك بما يعرف بالحش من أجل إطعام الأغنام".

تقول مديرة تعليم الفتاة في مكتب وزارة التربية والتعليم بساحل حضرموت إيمان بانانا: " كثيرة هي معوقات تعليم الفتاة في الأرياف والمناطق النائية ومن الممكن تلخيصها في التالي: أولًا : الفقر والظروف الاقتصادية التي تفاقمت سوءًا مع الوضع الحالي للبلاد فأصبحت أولوياتهم الطعام والشراب وليس التعليم ، يرون أن الفتاة في الرعي والزراعة ستفيدهم أكثر، أيضًا الزواج المبكر فتصلنا حالات تتزوج من سن (12،13) سنة فقط، وكذلك بعد المدارس في الأرياف عن مكان السكن؛ فالأرياف قرى متباعدة مترامية الأطراف لذلك تبني الدولة المدارس في منتصف المسافة ولكنها تكون بعيدةً عن بعض الشرائح ولا يملكن المواصلات إليها، بالإضافة إلى الاختلاط غير المرحب فيه في هذه المجتمعات فالمدارس مختلطة والمعلمات قليلات والأغلب معلمين ".

الرغبة في ترك الدراسة بعد الصف التاسع

تضيف السومحي:" كنت أنوي فعليًّا ترك الدراسة بعد الصف التاسع رغم أنني كنت أعلم بأن مصيري سيكون للرعي طيلة النهار! ، بيد أنه استفزتني كلمة لأبي عندما أخبرته برغبتي الجدية بترك الدراسة فقال لي: (الواحد إذا شاف نفسه بيفشل أو فاشل قال بخرج من المدرسة ) ، فأثارتْني الجملة ونجح أبي في جعلي أواصل دراستي، فدرست الثانوية العامة بغيل باوزير".

قال ممثل "يونيسيف" في اليمن بيتر هاوكنز : " إن نحو (1.2) مليون فتاة في سن الدراسة في اليمن هم خارج المدرسة .

الفترة الجامعية والماجستير

كانت نشوى تريد أن تكون جامعية فحسب، فدرست اللغة الانجليزية، بكلية البنات في جامعة حضرموت 2004م إلى تخرجها 2008م، وآنذاك كانت قد تزوجت وكان أهم شروطها في الزواج أن تكمل تعليميها، وفي ثالث يومٍ من الزواج امتحنت امتحان القبول في الجامعة.  

وبعد تخرجها لشحة الوظائف في المكلا عملت معلمةً في دوعن على بعد ( 231كم) عن عاصمة حضرموت العام 2009 ، ومن هناك تولدت في عقلها فكرة دراسة الماجستير، تتحدث: " من حينها ازدادت الضغوط القبلية عليّ، وضغوط جمّة على محيطي والدي وزوجي (أبو بنتي)، بدواعي العيب وعادات وتقاليد القبيلة ويكفيني ما لدي من تعليم، الأمر الذي أدّى في نهاية المطاف إلى انفصالي عن زوجي وأنا في منتصف امتحانات الفصل الثاني من السنة التحضيرية في الماستر".

تحكي : " ليس فحسب الضغوط القبلية حتى مدير التربية في دوعن آنذاك توعدني :(إن أكملتِ الماجستير ضعي زينة النساء في أذني)، وكان وعيدًا شديدًا لكنه خلق لديّ حافزًا كبيرًا وأنا من دفعت أثمانًا عائلية وضغوطًا قبلية لكي أكون صاحبة شهادة دراسات عليا".  

وتتابع: " فكنت أعمل لمدة ثلاثة أيام في دوعن، وأدرس ثلاثة أيام في المكلا، كانت فترةً شاقةً ومرهقة، ولكن من تذوقت مشقّة الرعي طيلة النهار يهوّن عليها مشقّة التعليم، حتى تحصلت على تقدير (امتياز) عن رسالة: التمكين الإداري لدى المرأة العاملة بالمؤسسات التعليمية بمحافظة حضرموت، من كلية التربية بجامعة حضرموت عام 2017م".

نشوى الدكتورة

تقول: " وعن اختيار دراسة الدكتوراه في صنعاء كان بسبب توقف مسار الدكتوراه في جامعة حضرموت بسبب الأوضاع السياسية ، كذلك الأمر كان في جامعة عدن، ولم تكن لدي منحة خارجية وكانت الدكتوراه هدفًا لا مناص منه ".

وتسرد: " في أواخر (2017م) سجلت في جامعة صنعاء، وأصعب ما واجهت خلال دراستي الدكتوراه مشقّة الطريق من المكلا إلى صنعاء حاليًا، إذ كانت تستغرق رحلتي أكثر من (37) ساعة للوصول إليها، غير أن في اليوم الذي أتيت من صنعاء إلى بيتي حاملةً شهادة الدكتوراه لم أشعر بساعات الطريق!  

إذ تحصلت على الدكتوراه، بتقدير امتياز مع التوصية بطباعتها وتوزيعها على الجامعات اليمنية وكان عنوان الرسالة: " دور المناخ التنظيمي كمتغير وسيط في العلاقة بين القيادة الخادمة والالتزام التنظيمي لدى العاملين في مكاتب وزارة التربية والتعليم بالجمهورية اليمنية".

نشوى الملهمة

تصف الدكتورة نشوى كيف صارت ملهمة لبنات ريفها وقبيلتها :" سلكنا طريق العلم فتغيرت نظرة الجميع فأصبح أولئك الذين ينظرون للمرأة المتعلمة نظرة دونية سلكوا لبناتهم ذلك الطريق فانتقل معظمهم للساحل وألحقوا بناتهم بالتعليم لما رأوا من الأثر الإيجابي في الحياة التعليم ".

أستاذ علم الاجتماع بجامعة حضرموت الدكتورة إيمان اللحمدي: " الدكتورة نشوى أعرفها شخصيًّا كافحت وجاهدت كثيرًا رغم الظروف العائلية القاسية التي عاشتها، ولكنها كانت صامدةً حتى صارت من الشخصيات القيادية والرائدة في حضرموت، وهي بمثابة الرمز للمرأة الريفية لذلك أوصي أهل الأرياف بتعليم فتياتهم لأن التعليم حق أصيل من حقوقهن ولأنني أرى حسرة الريفيات غير المتعلمات عندما يرون فتيات المدن المتعلمات ، ولكي يكن طبيبات ودكتورات مثل نشوى".

الطموحات

تحكي عن طموحاتها: " أسعى للحصول على الترقيات العلمية حتى أكون بروفيسورة، وأن يكون لي دورًا قياديًا في التربية والتعليم والتعليم العالي والبحث العلمي، وأن يكون لنا دورٌ مؤسسيٌّ لدعم الفتاة الريفية والتحاقها بالتعليم، وأن يكون هناك مستشفى ومدرسة خاصة للبنات لتكمل الفتاة الريفية تعليمها ".

وطموحاتي الحالية أرجو الحصول على وظيفة في جامعة حضرموت، لتخدمني في الترقية العلمية فلدي عدة بحوث ومشاركات في أربعة مؤتمرات علمية ، والجامعات الأهلية لا تعطي المتعاقدين الترقيات!"

 

تم إنتاج هذه المادة ضمن مشروع تعزيز دور وسائل الإعلام في دعم قضايا الصحة الإنجابية والعنف القائم على النوع الاجتماعي الذي ينفذه مركز الدراسات والإعلام الاقتصادي