كتب/ بكيل عبد الجليل
شهدت اليمن خلال السنوات الماضية من الحرب زيادة الجرائم الإلكترونية والمضايقات التي تعاني منها المرأة اليمنية بصمت، إذ تعاني الآلاف النساء في اليمن من التحرش الإلكتروني وابتزازهن ماليًا وجسديًا من قبل قراصنة تمكنوا من الحصول على بعض بياناتهن الخاصة، من صور وفيديو ومحادثات قد يؤدي نشرها في ومواقع التواصل الاجتماعي إلى تعرضهن للعنف في مجتمع يحملها المسؤولية.
شكلت حادثة تعرض مجموعة من النساء للابتزاز المالي والجنسي من قبل محل صيانة في العاصمة صنعاء؛ خوفًا لدى الكثير من الفتيات والنساء في المدن اليمنية اللواتي امتنعن بعد تلك الحادثة عن ارتياد محلات الصيانة وأصبحت الكثير من الأجهزة خارج الخدمة.
في ظل هذا الواقع السيئ الذي تواجهه المرأة اليمنية، وتعرض العديد من الفتيات للابتزاز وانتهاك الخصوصية، برزت مشاريع فردية مثل مشروع أسماء وجمعيات تطوعية تقودها نساء يمنيات يبحثن عن الحلول الفعلية لحل مشكلتهن في صيانة الأجهزة وحماية خصوصية النساء.
من رحم المعاناة يولد الأمل
أسماء الحميري (32 عاماً) فتاة يمنية تعمل في صيانة الهواتف النقالة بمحل افتتحته، مؤخراً، في العاصمة اليمنية صنعاء، لتصبح أول امرأة تقتحم هذا المجال في العاصمة، متغلبة على الكثير من الصعوبات والانتقادات السلبية من قبل المجتمع.
لا يختلف حال أسماء عن أقرانها من النساء من مخاوف التعرض للابتزاز، إلا أن تعطل الهاتف الخاص بها كان الشرارة الأولى لفكرة افتتاح مشروعها في صيانة الجوالات بمنطقة حدة في العاصمة صنعاء، إذ تقول أسماء: "تعطل الجوال الخاص بالعائلة فجأة، ولوجود بيانات وخصوصيات لم أكن أريد إصلاحه في محلات الصيانة التي يعمل فيها الرجال، فبحثت مع والدي عن محلات صيانة تعمل فيها نساء، ولم أجد، ما دفعني - وبدعم من والدي- للتفكير بافتتاح أول محل نسائي لصيانة الهواتف، وبالتالي معالجة مشكلتي ومشكلة الفتيات في العاصمة".
بعد أن نضجت فكرة المشروع لدى أسماء، التحقتْ مباشرة بمعهد لتعليم صيانة الهواتف، وبعد أن تخرجت من المعهد، بدأت من منزلها بصيانة هواتف العائلة والأصدقاء والجيران، ثم افتتحتْ محلًا خاصًا بها.
صعوبات وتحديات
أثناء بحثها عن محل، واجهت أسماء صعوبات كثيرة، على رأسها إيجاد المكان والإيجار المناسبين، وبعد بحث طويل وجدت غايتها في محل صغير في إحدى شوارع حدة.
توضح أنه لم يكن إيجاد المحل المناسب هو العقبة الوحيدة التي وقفت في البداية أمام تحقيق مشروعها، فقد تعرضت للكثير من الانتقادات من قبل المجتمع باعتبارها فتاة، حيث يرى المجتمع هذه المهنة حكرًا على الرجال.
تقول أسماء: "افتتحت المحل في نيسان/ إبريل 2024، وزاولت مهنة صيانة الجوالات، وتغلبت على مخاوفي، والكلام السلبي الذي سمعته، ومن نظرة الناس وعدم تقبلهم لي".
تقضي اسماء ساعات النهار بإصلاح الهواتف بجد وشغف، في محلها الذي يحظى بالعديد من الساعين للحصول على الخدمة التي تقدمها، والكثير ممن يأتون من النساء.
مساحة أمانة
وفي حين تعرضت نساء للتهديد والابتزاز من قبل أصحاب محلات صيانة قاموا بنسخ صور ومقاطع فيديو من هواتفهن المعطلة، تسعى أسماء من خلال عملها في صيانة الهواتف لحماية خصوصية النساء وبياناتهن من الانتهاك وتعرضهن للابتزاز والعنف الأسري.
بسعادة وفخر تقول الحميري: "أهدف إلى حل مشكلة مجتمعية قد تقع فيها المرأة، وأسعى للحفاظ على سرية وأمان محتويات أجهزتهن والحد من تعرضهن للتحرش والتهديد الإلكتروني كما حصل في محافظات عدّة، ما عرضهن للضرب والطلاق جراء تسريب صور وفيديوهات خاصة بهن".
تتابع: مشروعي ليس تجاري فقط، بل مساحة أمان، فالكثير من الفتيات يتعرضن للعنف والطلاق وقد يصل الأمر للانتحار بسبب نشر صورهن وخصوصياتهن، نسعى أن نوفر بديل آمن من خلال صيانة أجهزتهن وتأمين حسابتهن وغيرها من الأمور الرقمية".
أفنان عيسى (21عامًا) إحدى المستفيدات من هذا المشروع، تقول: شعرت بالأمان والارتياح أن أضع جهازي للصيانة، بعد ستة أشهر من تعطله.
توضح طالبة الأدب العربي في جامعة صنعاء، أنها امتنعت عن الذهاب بهاتفها إلى محلات الصيانة بسبب خوفها من سحب بياناتها وتعرضها للابتزاز كما حدث لنساء كثر.
مشاريع فعالة
وعن مدى مساهمة المشاريع التي تقودها النساء مثل أسماء يرى عزمي غالب مختص منظمة يوتد الرقمية في تعز أن وجود محلات صيانة تعمل فيها نساء في صنعاء وتعز خطوة إيجابية وتوفر مساحة آمنة للنساء.
ويوضح أن العمل يجب أن يكون إنساني نوعًا ما وليس تجاري بحت، من خلال جهود توعية نسائية تشمل أساسيات حماية الحسابات، وتحديث التطبيقات، وتوثيق خطوات الإصلاح للمستفيدات.
يشير غالب إلى أن تخوف النساء من تسليم أجهزتهن للصيانة هو رد فعل منطقي على حوادث سرقة البيانات المروعة التي شهدها المجتمع مؤخراً. هذه التجارب زادت من المخاوف حول مدى الخطورة التي تتعرض لها المرأة عند التعامل مع محلات صيانة غير موثوق بها، وهذا هو ما يفسر سبب عزوف الكثيرات عن إصلاح أجهزتهن.
ويضيف غالب أن السبب الآخر يكمن في غياب الوعي الكافي والثقافة الرقمية لدى العديد من النساء فيما يتعلق بالمخاطر السيبرانية. ويرجع هذا إلى عدم معرفتهن بالأدوات والأساليب المعقدة التي يستخدمها المخترقون للوصول إلى بيانات المستخدمين. وعلى الرغم من أن بعض الأعطال قد تكون بسيطة وتتطلب إصلاحاً يسيراً، إلا أنه يرى أن عدم إلمام بعض النساء بكيفية البحث عن الحلول المتاحة عبر الإنترنت أو إصلاح الخلل بنفسها يفاقم المشكلة.
يشدد غالب أنه لابد من وجود مراكز شرطة نسائية ضمن أقسام الشرطة تستقبل النساء، فأغلب ضحايا الابتزاز من النساء لا تكون قادرة على التبليغ خوفًا من وقوعها في ابتزاز آخر، مؤكدا: "مركز مكافحة الابتزاز، وهذا واجب الدولة"
وشدد على أهمية وجود فريق تقني نسوي يقوم بنشر التوعية على الاستخدام الآمن للإنترنت، وتقديم دورات تدريبية لأصحاب المشاريع أو المحلات التي تعمل فيها النساء، ويرى أن استمرار هذه الأعمال يتطلب رعاية من الجهات الحكومية والمنظمات المحلية.
لا تتوقف أسماء عن تطوير مهاراتها وخبراتها في مجال الصيانة، فقد التحقت بدراسة نظم المعلومات في جامعة صنعاء إلى جانب عملها في المحل.
تتطلع أسماء لنمو مشروعها وافتتاح فروع أخرى في المدن اليمنية؛ تعمل فيها فتيات مقتدرات لخدمة أكبر عدد ممكن من النساء في عموم الجمهورية وحماية خصوصيتهن في ظل تفشي ظاهرة التحرش الإلكتروني التي بات خطرها يزداد كل يوم مع غياب وسائل الردع القانونية.
.png)
