كتبت/ نورا الظفيري

في مدن تتنفس تاريخها وتروي جدرانها قصص قرونٍ مضت، اختارت مجموعة من المهندسات أن يخضن تجربة استثنائية في مجال ترميم البيوت والمعالم الأثرية، لم يكن التحدي مقتصراً على إعادة بناء جدرانٍ متصدعة أو زخارف باهتة، بل كان معركة لإثبات حضور المرأة في مجال اعتاد المجتمع أن يحصره في دائرة الرجال.

في قلب صنعاء القديمة، اختارت المهندسة سارة عبد الخالق أن تسلك طريقاً مليئاً بالتحديات، تبلغ من العمر 27 عاماً،  حيثُ التحقت قبل خمس سنوات بالهيئة العامة للمحافظة على  المدن والمعالم التاريخية "بإدارة التخطيط" بعد تخرجها، لتغوص في تفاصيل المباني التقليدية وما تحمله من أسرار، أكثر من عامين من التدريب على أعمال الترميم، إعداد الدراسات، ورفع تقارير الأضرار صارت بالنسبة لها "بنك معلومات" زاخر بالمعرفة حول المصطلحات والفن المعماري التقليدي والزخارف ومواد البناء، تقول سارة: "كل جدار في هذه المدينة يروي إبداع الإنسان اليمني، ويؤكد أن العمارة ليست حجارة صامتة، بل هوية وحضارة إنسانية خالدة."

ومن سارة إلى رحاب الثور، مهندسة شابة تبلغ من العمر 27 عامًا، بدأت عملها في مجال ترميم البيوت الأثرية بصنعاء القديمة عام 2022. دخولها هذا المجال لم يكن مصادفة، بل جاء بدافع شغفها بمواصلة دراستها للماجستير في الاستدامة أو المدن التاريخية، وهو ما اعتبرته السبب الأول وراء خوض هذه التجربة.

رحاب خاضت سبع دورات تدريبية تحت إشراف مهندسين، ثم عملت في أربعة مشاريع كمهندسة مقيمة تتحمل المسؤولية كاملة. ومع مرور الوقت، اكتسبت خبرة عملية في تفاصيل العمارة القديمة وأساليب البناء التقليدية، وجعلت من كل مشروع فرصة للتعلم والتجربة.

رحاب وسارة مهندستان من بين 60 مهندسة شاركن في عمليات الترميم داخل صنعاء القديمة بين عامي 2022 و2025. ومن بينهن، تعد 20 مهندسة محترفات في هذا المجال وقد قدمن إسهامات بارزة في ترميم المدن الأثرية. وخلال هذه الفترة، تم إنجاز ترميم 320 منزلاً أثرياً داخل صنعاء القديمة على أيدي مهندسات معماريات، وذلك ضمن مشاريع ترميم مدعومة من اليونسكو وأمانة العاصمة على مرحلتين، وفقاً للهيئة العامة للمحافظة على المدن والمعالم التاريخية.

التحديات والمضايقات في الميدان

شاركت سارة في مشاريع متعددة، من تصميم ساحة باب اليمن، إلى مشاريع مع أمانة العاصمة والأشغال، وإعداد دراسات للبنية التحتية في البساتين والمقاشم (مساحات زراعية صغيرة خاصة بزراعة النباتات في الاحياء السكنية والمساجد وغيرها). هذه التجارب صقلت هويتها البصرية، وجعلتها أكثر دقة في تفاصيل التصميم وأقدر على المزج بين الجمالية والاستدامة. لكن رغم النجاح، واجهت سارة مضايقات من بعض الإداريين والزملاء لها الذين حاولوا حصر العمل بالرجال، فضلاً عن أصوات مجتمعية اعتبرت خروج المرأة للعمل في هذا المجال خرقاً للأعراف، تقول سارة: "كان البعض يتعامل مع وجودنا وكأنه خطأ كبير أو تعدٍ على أعمال الرجال، لكننا واصلنا العمل وأثبتنا أن الفتاة اليمنية قادرة على التفوق."

أما رحاب، فوجدت مضايقات من بعض الأهالي غير المتقبلين لعمل المهندسات، ما دفعها أحياناً إلى التخفي بعدم ارتداء خوذتها ولباسها الرسمي إلا عند زيارة المسؤولين. ورغم ذلك، وجدت دعماً من سكان صنعاء الأصليين الذين رحبوا بعملها وشجعوها على الاستمرار.

إضافة إلى ذلك، واجهت المهندسات تحديات تتعلق بالفوارق الواضحة في الأجور، إذ كان العمال يتقاضون مبالغ تفوق ما يحصل عليه المهندسون. وتقول رحاب إن هذا لم يكن العائق الوحيد، فقد اصطدمت أيضاً بنظرة بعض العمال الدونية لكونها امرأة في موقع القيادة، ومع كل مضايقة، كانت تستبعد من يستهين بعملها، مؤكدة أن الترميم بالنسبة لها ليس مجرد مهنة، بل "رسالة انتماء ووفاء للتاريخ".

في هذا الجانب أكدت مدير عام البيوت التقليدية والحرف اليدوية في صنعاء، نجلاء الحكيم، أن حضور المرأة في مجال الترميم يمثل إضافة مهمة لا يمكن الاستغناء عنها، مشيرة إلى أن أعمال المهندسات غالباً ما تتسم بالدقة والإتقان.

وأوضحت أن محاولات الحد من مشاركتهن خلال الفترة الأخيرة قوبلت برفض واسع من المستشارين والفنيين الذين أشادوا بخبراتهن وكفاءتهن. وأضافت: "لا يمكن إقصاء المرأة أو استثناؤها من هذا المجال أو غيره، مجتمعنا بطبيعته قائم على الوسطية والاعتدال، وهذا ما جعله يحافظ على قيمه ونسيجه الاجتماعي عبر التاريخ.

ومن جانبه، شدّد استشاري مشاريع الترميم بالهيئة العامة لمحافظة صنعاء، المهندس خالد وهاس، على  المدن والمعالم التاريخية أن المهندسات يحظين بفرص متكافئة داخل الهيئة، قائلاً: "أي مهندسة مسجلة في الهيئة تأخذ دورها كاملاً في الإشراف على أعمال الترميم، ولا مجال لتهميشها، بل إن المهندسين القدامى يحرصون على تدريب المهندسين والمهندسات على حد سواء وفي كثير من الحالات تكون للمهندسات أولوية، خاصة عند التعامل مع المنازل المأهولة، لما يتمتعن به من قدرة أكبر على التواصل مع النساء أثناء إعداد الدراسات أو متابعة التنفيذ".

من جانب أخر قالت مسؤولة التواصل والشراكات الدولية في مؤسسة دوعن للعمارة، المهندسة ميسرة، إن المؤسسة التي تأسست عام 2007 بحضرموت، تعد الوحيدة العاملة في هذا المجال، وأشارت إلى أن المؤسسة لم تشهد سابقاً مشاركة ميدانية للنساء كمهندسات موقع أو إشراف أو استشارات، إذ اقتصر دورهن على الجوانب الإدارية والتدريبية، وهو ما تعزوه لطبيعة المجتمع الحضرمي الأكثر تحفظاً مقارنة بعدن أو صنعاء.

وأضافت ميسرة أن المؤسسة بالشراكة مع اليونسكو تعمل حالياً على إدماج النساء في مشاريع الترميم حتى في مجال العمالة، حيث يجري إشراك 80 امرأة. وكشفت أن إعلان وظائف للمشروع الأخير استقطب 800 طلب، لكن دون أي إقبال من النساء على التقديم للمناصب الميدانية.

اقصاء لخبرات وطنية

أكدت لمياء الصباري، إخصائية ترميم ضمن الفريق الوطني، أن إقصاء الفريق أثّر بشكل مباشر على جودة الترميم في صنعاء القديمة. وأوضحت أن الفريق المكوَّن من 35 عضواً بينهم 8 إخصائيات ترميم تراجع عددهن لاحقاً إلى خمس، كان مؤهلاً بدرجة عالية كونه أول فريق يتلقى تدريباً مكثفاً عبر الصندوق الاجتماعي للتنمية على يد خبراء إيطاليين من معهد فنيتو. وشملت التدريبات مختلف مجالات الترميم، من الأخشاب والأحجار إلى الجصيات والمعادن، بخبرة امتدت نحو تسع سنوات.

وأضافت لمياء أن الإقصاء لم تُعرف أسبابه، لكنه ركّز على إنجاز العمل بعيداً عن الجودة، معتبرة أن الترميم "عمل حساس ودقيق يتطلب خبرة واسعة لتفادي تدمير الأثر". وذكرت أنها شاركت أيضاً كمدربة في دورات تدريبية في زبيد وصنعاء القديمة.

وأشارت إلى أن الفريق حاول مواجهة الإقصاء، وتمكن من العودة للعمل في ترميم الجامع الكبير، لكن دون إشراك النساء، واعتبرت أن ما يجري حالياً "أعمال تخريب وليست ترميماً"، مؤكدة رفضها المشاركة في المشاريع الحالية، وقالت: "نحن كنساء أثبتنا كفاءة في الترميم، لكن المجتمع الذكوري لا يسمح باستمرارنا لفترات طويلة في الميدان".

من جانبه أكد عبدالله محسن موسى، مسؤول البرامج بمركز الهدهد للدراسات الأثرية أن الفريق الوطني كان "نواة مدرسة للترميم في اليمن"، لكن بعد إقصائه أُسندت الأعمال إلى مقاولين غير متخصصين، فتحول الترميم إلى تجديد يطمس المعالم، وأضاف: "المرأة مبدعة في الأعمال الفنية والزخرفية، لكن المجتمع الذكوري حال دون مشاركتها المستمرة".

بين سارة ورحاب، تتجلى قصة واحدة بوجوه متعددة: شغف وإصرار على الحفاظ على إرث إنساني، وإثبات أن المرأة اليمنية ليست فقط قادرة على المشاركة، بل على ترك بصمة واضحة في مسيرة حماية المدن التاريخية من الاندثار.