كتبت/ ريم بارجاش

منذ طفولتها المبكرة، ارتبط اسم ريم اليمن، الشابة الحضرمية الشغوفة بالثقافة والفن، بحبها للقراءة والكتابة. فقد وجدت في الكتابة متنفسًا من الوحدة، ووسيلة للتعبير عن ذاتها. ومع مرور الوقت، تطوّر هذا الشغف إلى مسيرة أكاديمية وفنية مميزة، حيث حصدت جوائز وحصلت على منح مرموقة في الأدب والفن.

إذ نالت جائزة أفضل قصة في مسابقة الشيخة حنان لعام 2022، وكان أحد مشاريع تخرجها في النقد والتحليل الأدبي من جامعة حضرموت من أفضل المشاريع. مؤخرًا، حصلت ريم على منحة الأدب من المورد الثقافي، إضافة إلى منحة “غوته” لدعم الفنانين والأفراد.

إعادة النظر في الموروث

لكن ريم الحاصلة على بكالوريوس في اللغة الإنجليزية، لم تكتفِ بالإنجازات الفردية، بل امتد شغفها من الكلمة ليشمل مشروعًا جماعيًا يحمل رسالة نقدية. عبارة عن سلسلة حلقات بودكاست، أرادت أن تصل أفكارها إلى جمهور أوسع وتفتح نقاشًا حول الموروث الثقافي والأمثال الشعبية بطريقة هادفة وبعيدة عن الانفعالات الشخصية.

أطلقت بودكاست “صوت سعاد”، ليكون مساحة لمناقشة القضايا الثقافية والاجتماعية بأسلوب قصصي جذاب، ويشارك فيها المستمعون في رحلة التفكير النقدي وإعادة النظر في الموروث الشعبي بطريقة إيجابية.

فكان الدافع الأول لإطلاق بودكاست “صوت سعاد” مثلًا شعبيًا متداولًا “نار زوجش ولا جنة أهلش”. فقد كان هذا المثل محور نقاش بينها وبين صديقاتها، ولاحظت من خلاله مدى انتشار أمثال تقلل من مكانة المرأة، مما أثار الحاجة إلى مشروع يسلط الضوء على هذه الأمثال ويعيد النظر فيها.

مشروع “صوت سعاد” ليس مجرد بودكاست، بل رحلة فكرية تهدف إلى إعادة النظر في الموروث الثقافي والأمثال الشعبية بطريقة واعية وبنّاءة

من هي سعاد؟

توضح ريم، أن الأثر الأكبر جاء من هذا المثل تحديدًا، خصوصًا بعد ظهور حالات العنف ضد المرأة في عام 2020، حيث ذكرت إحدى الضحايا أن والدتها كانت تكرر لها هذا المثل. واقع شدّد لديها الحاجة لمواجهة الرسائل السلبية وإعادة صياغتها بطريقة نقدية وبناءة.

أما فكرة اسم البودكاست، فقد استوحتها من المثل الشعبي المتداول: “وش عرف سّعادة بسوق البصل”. وبعد التحديث، أصبح الاسم أكثر قربًا ومعاصرة، ليعكس روح المشروع ويكون عنوانًا جذابًا للبودكاست.

وانطلاقًا من الحرص على الوصول إلى المجتمع المحلي، تمت إذاعة البودكاست أولًا عبر إذاعة المكلا، ثم جرى بث الحلقات لاحقًا على اليوتيوب لضمان استدامتها وتوسيع نطاق انتشارها.

من خلال حلقات “صوت سعاد”، ركزت ريم، على تقديم النقد بعقلانية ومنطقية، بعيدًا عن الانفعالات والهجوم الشخصي. اعتمدت على الحقائق والأدلة التاريخية، إلى جانب المقارنات بين المجتمعات المختلفة، مستخدمة أسلوبًا قصصيًا يجعل المحتوى سهل الفهم وجذابًا للجمهور.

وتوضح: “لم أرغب في وضع المجتمع في موقف الدفاع، بل أردت فتح نقاش جماعي يعيد التفكير في هذه الأمثال.”

النقد الإيجابي

وخلال اطلاعها على الأمثال الحضرمية، لاحظت ريم أن المرأة غالبًا ما تكون محور النقد السلبي، حتى وإن وُجِّه المثل للرجال أيضًا.

“قدّمت المشروع من منطلق أننا جزء من المجتمع نفسه، وأن الهدف هو تحسين الوعي لا مهاجمة الأشخاص، وهذا ما جعل الناس يتقبلون الفكرة بسهولة.”

وترى أن السبب يعود جزئيًا إلى غياب أدوات التوثيق والكتابة لدى النساء في العصور القديمة، مما جعل الأمثال المحكية تنتشر أكثر وتُرسّخ الصور النمطية السلبية.

كما أنّ تداول الأمثال بين النساء جيلًا بعد جيل ساهم في استمرارها، إذ أكدت بعض الجدات اللواتي قابلتهن أن قناعات مثل “عقول الحريم لا توازي الرجال” ما زالت متجذّرة، وهو ما يكشف قوة العادة في تشكيل الوعي.

وتؤمن ريم، أن النقد الإيجابي إذا قُدّم بأسلوب فني فإنه يخلق تأثيرًا أعمق، لأنه يضع المستمع في موقع المشاركة لا المواجهة. لذلك سعت إلى إشراك الجمهور في إعادة صياغة بعض الأمثال أو استحداث أمثال جديدة، بما يعزز التفكير النقدي ويكسر دائرة التقليد.

ورغم أن النقد في المجتمعات عادةً ما يُقابَل بالرفض، إلا أن ريم لم تواجه اعتراضات كبيرة، موضحة: “قدّمت المشروع من منطلق أننا جزء من المجتمع نفسه، وأن الهدف هو تحسين الوعي لا مهاجمة الأشخاص، وهذا ما جعل الناس يتقبلون الفكرة بسهولة.”

التوسع

هذه التجربة أثمرت عن نتائج ملموسة، فعلى الرغم من أن الشباب عادةً بعيدون عن النقد، لاحظت ريم تراجع استخدام بعض الأمثال القديمة، وتلقت رسائل من مستمعين يذكّرونها بأمثال جديدة للنقاش، وهو ما اعتبرته مؤشرًا على نجاح المشروع في خلق وعي مختلف.

وتفكر ريم بتوسيع المشروع مستقبلًا ليشمل موروثات من مناطق خارج حضرموت، مؤكدة وجود خطط لمواسم قادمة تعمّق الرسالة وتوسع نطاقها.

فالرسالة الأساسية لـ “صوت سعاد” هي تشجيع التفكير النقدي ومراجعة الموروث الثقافي بوعي، بعيدًا عن التقليد والاعتياد، ليبقى النقد وسيلة لإعادة البناء لا للهدم.

مشروع “صوت سعاد” ليس مجرد بودكاست، بل رحلة فكرية تهدف إلى إعادة النظر في الموروث الثقافي والأمثال الشعبية بطريقة واعية وبنّاءة. من خلال أسلوب النقد العقلاني والمشاركة المجتمعية.

أثبتت ريم اليمن أن النقد الإيجابي يمكن أن يكون وسيلة للتغيير والإبداع، بعيدًا عن الهجوم الشخصي أو التقليد الأعمى. وما يؤكد نجاح مشروعها أن التغيير يبدأ بالفكرة، ويستمر بالمشاركة والوعي الجماعي.

ولا شك بأن النقد البناء يمكن أن يكون وسيلة للتغيير، وأن الموروث الثقافي ليس عائقاً أمام التطور، بل فكرة يمكن إعادة صياغتها بوعي. كما فعلت ريم التي حولت موهبتها إلى رسالة، لتشعل شرارة التفكير النقدي في مجتمعها.