الصورة نقلا عن صفحةالفيسبوك التايعة لصندوق الأمم المتحدة للسكان في اليمن
كتب/ عبدالله محرم
لم تكن “فاتن” تتوقع أن تنتهي رحلة ولادتها بهذا الشكل. امرأة في منتصف العشرينيات من عمرها، من إحدى القرى الجبلية في محافظة تعز، تعيش بين الفقر وبُعد الخدمات الصحية. بدأت آلام المخاض في منزلها، ودخلت في ولادة متعسرة استمرت ساعات طويلة دون أي تدخل طبي، انتهت بولادة طفلٍ ميت. بعد أيام قليلة فقط، بدأت فاتن تلاحظ تسرب البول بشكل لا إرادي، دون أن تفهم ما يحدث لجسدها، لتبدأ فصل جديد من المعاناة بصمت.
فاتن –اسم مستعار- لا تعلم بأن ما تعانيه يُسمى الناسور الولادي. كل ما عرفته أن جسدها خانها، وأن رائحة البول أصبحت تسبقها أينما ذهبت. "كنت استخدم قطع قماش مرارًا خلال اليوم، لكن رائحة البول بقيت، وبدأت معها السخرية والإهانات". تقول بصوت خافت وعلامات الخجل بادية عليها.
لم تتوقف آثار ذلك الجرح عند الألم الجسدي، بل امتدت لتطال حياتها الزوجية والاجتماعية. فمع العجز عن التحكم بالتبول، بدأت فاتن تنسحب من محيطها، وتغيب عن المناسبات، فيما تحولت علاقتها بزوجها إلى عبء ثقيل انتهى بالفتور ثم القطيعة، والهجران. وتصف هذا بالقول: "لم أفقد صحتي فقط، فقدت بيتي، وزوجي، واحترامي أمام الناس".
الناسور الولادي
يعرف الناسور الولادي بأنه تمزق غير طبيعي بين المهبل والمثانة أو المستقيم، يحدث غالبًا بسبب المخاض المطوّل أو الولادة في ظروف غير آمنة دون إشراف طبي متخصص. ويؤدي هذا التمزق إلى تسرب دائم للبول أو البراز، وهو ما يسبب الإحراج الشديد والمعاناة المستمرة للمريضة. بحسب الدكتورة إقبال ناجي، اخصائية جراحة وعلاج الناسور الولادي بمستشفى الصداقة بعدن.
وأوضحت ناجي في تصريح لمنصة هودج، أن الناسور يُعد من أخطر مضاعفات الولادة المتعسّرة التي تستمر لفترات طويلة دون تدخل طبي، ما يؤدي إلى تلف الأنسجة وحدوث اتصال غير طبيعي بين المهبل والمثانة أو المستقيم. مشيرة إلى أن الولادات المنزلية غير الآمنة، والزواج والحمل المبكرين، وسوء التغذية، وضعف الخدمات الصحية، لا سيما في المناطق الريفية، تمثل الأسباب الرئيسية لانتشار هذه الحالة.
ولفتت ناجي أن غياب الرعاية التوليدية المتخصصة والتأخر في التدخل الطبي يسهمان بشكل كبير في ارتفاع معدلات الإصابة، كما أن عدم توفر إحصاءات دقيقة، مع تقديرات تشير إلى وجود آلاف الحالات غير المعلنة بسبب الوصمة الاجتماعية. مؤكدة بأن المراهقات والنساء في المناطق الريفية هن الأكثر عرضة للإصابة، مشددة على أن الوقاية ممكنة من خلال تأخير سن الزواج، والمتابعة الطبية المنتظمة أثناء الحمل، والولادة في مرافق صحية مجهزة.
تشير تقارير إلى أن العديد من النساء المصابات يعشن في عزلة داخل المنزل، وقد تتدهور صحتهن النفسية لتصل إلى الاكتئاب أو القلق المزمن. أن الدعم العائلي والمجتمعي يلعب دورًا محوريًا في استعادة المريضة ثقتها بنفسها بعد إجراء الجراحة العلاجية.
وصمة
ترتبط الوصمة الاجتماعية بمريضات الناسور الولادي، بمزيج من الجهل بطبيعة المرض والخلط بين الصحة الإنجابية والسلوك الأخلاقي للمرأة. في كثير من الحالات، تتعرض المريضة للتجريح أو سوء الفهم، إذ يفسّر البعض التسرب على أنه “قلة نظافة” أو “إهمال شخصي”، بينما يُلقي آخرون اللوم عليها وكأنها مسؤولة عن المرض. بحسب الباحث الاجتماعي وضاح فرحان.
وأوضح فرحان في حديثه لمنصة هودج: هذا المرض لا يقتصر أثره على الجانب الصحي، بل يمتد ليخلّف تداعيات نفسية واجتماعية عميقة، أبرزها الاكتئاب واضطرابات النوم وتغير الشهية والشعور بالخجل وفقدان الثقة بالنفس، ما يجعل المريضة تشعر بالنبذ المجتمعي.
تتجلى هذه الوصمة -بحسب فرحان- في مواقف مختلفة: النفور، العزل، تعليق الأدوار الاجتماعية، أو حتى الطلاق في بعض الحالات، ما يزيد من هشاشة وضع المرأة. هذه الثقافة تُعزِّز العيب الاجتماعي وتضاعف الألم النفسي، رغم أن المرض ناتج عن ظروف صحية بحتة يمكن الوقاية منها عبر الولادة الآمنة والمتابعة الطبية المتخصصة.
العلاج
وتؤكد التقارير أن علاج الناسور الولادي لا يكتمل بإجراء العملية الجراحية فقط، بل يتطلب حملة مجتمعية واسعة لتغيير النظرة السائدة تجاه المرض. فالوعي بأسبابه الطبية، والتأكيد على أنه مرض قابل للعلاج وليس عيبًا أخلاقيًا، هو الخطوة الأولى للحد من الوصمة الاجتماعية.
وسلّطت الدكتورة إقبال الضوء على ثلاث تحديات رئيسية تعيق علاج مريضات الناسور، تتمثل في القيود المالية التي تحول دون قدرة معظم المريضات الفقيرات على تحمّل تكاليف الجراحة وإعادة التأهيل، والنقص الحاد في الجراحين والكوادر، إلى جانب صعوبة الوصول إلى النساء المصابات اللواتي يعشن في عزلة وخجل اجتماعي ولا يدركن أن حالتهن قابلة للعلاج.
فيما يؤكد فرحان أن غياب الدعم النفسي والعاطفي يسهم في تفكك العلاقات الاجتماعية، وارتفاع حالات الطلاق، وانقطاع النساء عن التعليم، وتفاقم الفقر والجهل، مشددًا على ضرورة اضطلاع مؤسسات الرعاية والمراكز الصحية بدور فاعل في تقديم الاستشارات النفسية والتوعية وإدماج المريضات في الأنشطة التثقيفية لتحسين صحتهن النفسية ومساعدتهن على تجاوز آثار الوصمة.
ويتابع فرحان قوله: تحتاج المصابات، بعد العلاج، إلى دعم نفسي وتأهيل اجتماعي يساعدهن في العودة إلى حياتهن الطبيعية. كما يحتاج المجتمع إلى حملات وتوعوية تُعيد تقديم المرض للناس من زاوية علمية وإنسانية بعيدًا عن التنميط والرفض.
تم إنتاج هذه المادة ضمن مشروع تعزيز دور وسائل الإعلام في دعم قضايا الصحة الإنجابية والعنف القائم على النوع الاجتماعي الذي ينفذه مركز الدراسات والإعلام الاقتصادي
.png)
