كتب/ عدي الدخيني

تعيش عشرات النساء من ذوي الاحتياجات الخاصة في المناطق الريفية في محافظة تعز، تحديات معيشة صعبة، حيث يجدن أنفسهن دون رعاية صحية أو خدمية خاصة بعد اندلاع الحرب مطلع العام 2015.

جميلة سيف (اسم مستعار)، واحدة من النساء ذوات الإعاقة في ريف مديرية جبل حبشي غرب تعز، تمثل نموذجاً للتهميش، إذ تعاني جميلة من إعاقة خلقية أفقدتها جزءاً كبيراً من قدرتها على النطق، وتصف لـ "منصة هودج" حياتها بكلمات يكاد فهمها: "وجدت نفسي أعيش حياة منسية، على عكس غيري من النساء اللواتي يمارسن حياتهن الطبيعية".

وبحسب والدتها، لم تحصل جميلة على أي اهتمام صحي أو رعاية اجتماعية؛ فقد كانت تحتاج لعملية جراحية لتحسين نطقها، لكن الظروف الاقتصادية للأسرة حالت دون ذلك، يضاف إليها الإهمال الخدمي الذي يعانيه ذوو الاحتياجات الخاصة في المناطق الريفية من قبل الجهات المعنية.

تتضاعف معاناة المرأة الريفية ذات الإعاقة الجسدية؛ فالتهميش الأسري والمجتمعي يحولها إلى "دمية داخل المنزل لا أثر لوجودها"، لا تحظى باهتمام أو رعاية صحية.

ولا تختلف قصة الطفلة نجوى، التي تعيش وضعاً صحياً واقتصادياً صعباً أقعدها المرض عن ممارسة حياتها الطبيعية.

تؤكد والدتها لمنصة هودج افتقاد ابنتها لأبسط الحقوق، مشيرة إلى عدم قدرتهم على إجراء عملية لها وغياب أي جهة تقدم الدعم أو الرعاية المكفولة.

وتشدد والدة نجوى على أن النساء ذوات الإعاقات في الريف يعشن حياة منسية خارج اهتمام المجتمع، حيث يقتصر مصيرهن على العمل الشاق داخل المنزل أو رعي المواشي والاحتطاب وجلب المياه، في ظل ظروف اقتصادية ومعيشية بالغة الصعوبة.

ظروف اقتصادية

تعيش غالبية الأسر في المناطق الريفية بمحافظة تعز، أوضاعا اقتصادية صعبة، الأمر الذي يجبر الأسر على صعوبة تقديم الرعاية والاهتمام للنساء اللواتي يعانيان من إعاقات دائمة.

ويؤكد أحد سكان ريف جبل حبشي يوسف عبد الله لـ "هودج" أن النساء من ذوات الاحتياجات الخاصة في منطقتهم، يعشن حياتهن وظروفهن الخاصة دون أي رعاية أو اهتمام سواء من الجانب المجتمعي أو الجهات المعنية في هذا الجانب، لافتا إلى أن الوضع الاقتصادي هو من يفرض هذا الأمر على الأسرة ولم يكن بمقدورها تقديم أي شيء للفتاة التي تعاني من إعاقة.

ويشير إلى أن شقيقته جميلة تستطيع القيام بأي أعمال في المنزل، كالتنظيف وجلب المياه، أو غسل أواني، وأن لديها قدرة استيعابية، لكنها لم تتلقى أي دعم أو اهتمام من أي جهة، حتى تتحسن حالتها.

نظرة مجتمعية

عبد الرحمن سعيد، ناشط مجتمعي وشقيق إحدى الفتيات من ذوي الاحتياجات الخاصة، يوضح لـ "منصة هودج" أن النساء من ذوات الإعاقة في المناطق الريفية من أكثر الفئات المهمشة والمعرضة للإهمال، سواء من الأسرة أو من المجتمع أو حتى من الجهات الحكومية والمنظمات المعنية بحقوق الإنسان، مشيرًا إلى أن غالبًا ما تقابل هذه الفئة بنظرة ناقصة تقلل من قدراتهن وإمكاناتهن، وتختزل وجودهن في صورة العجز بدلاً من أن ترى فيهن الطاقات الكامنة والقدرات القادرة على الإبداع والإنتاج متى ما أتيح لهن الدعم والرعاية.

وأضاف: تلك النساء يعانين من تجاهل واضح في حقوقهن الأساسية، ولا يحصلنّ على الدعم المادي أو المعنوي من الجهات المعنية بهن، لافتاً إلى أن كثيرًا من الأسر تمارس نوعًا من الاستغلال القاسي بحق هؤلاء النساء، ويتم تكليفهن في أعمال شاقة لا تتناسب مع حالتهن الجسدية أو النفسية، كرعي الأغنام أو التنظيف في المنزل أو جمع الحشائش من الجبال أو الوديان.

وأكد سعيد أن المنظمات الحقوقية والإنسانية لا تولي أي اهتمام لمعاناة تلك النساء في المناطق الريفية، وخصوصًا صندوق الرعاية الاجتماعية في المحافظة، الذي يفترض أن يكون مظلة حماية لهذه الفئة المنسية، مشيرًا إلى أن معظم البرامج والمساعدات تتركز في المدن، وتظل النساء في الريف خارج دائرة الاهتمام.

وتابع أن كثيرًا من تلك النساء يمتلكن قدرات يمكن تطويرها، سواء في مجالات الحرف اليدوية أو التعليم أو الأنشطة المجتمعية، وأن عدد منهن لديهن القدرة على التعلم في المعاهد الحرفية إذ توفرت لهن الفرصة والدعم اللازم.

وأختتم سعيد حديثه قائلًا: أن معاناة تلك النساء ليست ناتجة عن إعاقة جسدية بحد ذاتها، بل عن الإعاقة المجتمعية والنفسية التي يصنعها الجهل والتهميش، وغياب الوعي المجتمعي، فحين يتغير منظور المجتمع وتتوفر بيئة حاضنة وداعمة، ستتحول هذه الفئة من عبء اجتماعي إلى قوة منتجة ومؤثرة تسهم في التنمية المحلية والبشرية.

ضغوط نفسية

"أن ما تواجهه النساء من ذوي الإعاقة في المناطق الريفية يتمثل في معاناتهن من التهميش والإقصاء وشعورهن بعقدة النقص وعدم حصولهن على حقوق الرعاية والتعليم وبناء الأسرة، يشكل لهن ضغوطات نفسية شديدة، ويمرين بحالات من الاكتئاب ومنعهن من ممارسة الحياة بشكل طبيعي، كما أن عدم المساواة في المجتمع تزيد من حجم الضغوط النفسية عليهن، بحسب حديث الأخصائي الاجتماعي أمين دحلان لـ "منصة هودج".

ويرى دحلان أن مساعدة تلك الشريحة من فئة المعاقين من النساء، يتطلب توفير الخدمات العاجلة لهن، كالدعم النفسي والمشاركة الفاعلة، وجلسات رفع الوعي لدى المجتمع حول طرق التعامل ودعم ذوي الإعاقة.

وأضاف، على صندوق الرعاية والجهات المماثلة إزالة كافة الحواجز والموانع التي تعيق وصول ذوي الاحتياجات الخاصة إلى فرص التعليم والتدريب على الأنشطة المناسبة التي تساعدهم على تكوين قدراتهم وتسهيل الوصول إلى خدمات الرعاية الشاملة.

واعتبر دحلان أن دعم ومناصرة هذه الفئة، واجب إنساني شامل والقيام به على جميع الناس من المجتمع ثم الجهات المعنية في السلطة المحلية ثم الجهات المتخصصة في دعم ورعاية ذوي الإعاقة، خاصة في المناطق الريفية هم من أكثر الفئات معاناة وتهميش.

غياب الوعي يولد الإهمال

من جهته يقول مدير صندوق رعاية وتأهيل المعاقين بمحافظة تعز، صبري المعمري لـ "منصة هودج" أن وضع النساء من ذوات الإعاقة في المناطق الريفية واقع مؤسف وصعب للغاية، ويعيشن ظروفاً قاسية نتيجة الفقر وبعد المسافة والحرب الدائرة في البلاد.

ويشير إلى أن تهميش تلك الفئة من النساء، وعدم حصولهن على الدعم والرعاية من قبل صندوق المعاقين، يعود إلى ضعف الوعي المجتمعي بدور الصندوق وأي استفادة من خدماته، وعدم توفر إحصائية دقيقة لدى الصندوق بعدد النساء ذوات الإعاقة في الريف، إلى جانب ضعف الإمكانيات المالية والكوادر المدربة لتقديم الخدمات لهن، وضعف التنسيق مع السلطات المحلية والمنظمات العاملات بهذا المجال.

ويؤكد المعمري على ضرورة توعية الأسر بأهمية مضاعفة الاهتمام بأبنائهن الذين يعانون من إعاقة ودمجهم في الأسرة بشكل أساسي، وعلى المجتمع تغيير نظرته تجاه تلك النساء والمشاركة والتمكين الحقيقي لهن في العمل والتعليم والوظائف.

ويبلغ عدد ذوي الإعاقة في تعز أكثر من 15,200 ألف شخص، وفقًا لبيانات صندوق المعاقين، دون وجود برامج مخصصة للنساء في الريف، وبحسب تقرير منظمة العفو الدولية فإن ما لا يقل عن أربعة ملايين ونصف مليون يمني من ذوي الإعاقة لا يحصلون إلا على دعم شحيح، ما يعني أن الخدمات المتخصصة للأشخاص ذوي الإعاقة نادرة، خصوصاً في المناطق التي يصعب الوصول إليها.