كتبت / نورا الظفيري
لم تكن سمر العراسي، البالغة من العمر 39 عاماً، تدرك أن شغفها المبكر بالمخطوطات سيقودها إلى واحد من أدق وأعمق التخصصات في عالم التراث. ابنة أمانة العاصمة صنعاء والمتخصصة في الآثار الإسلامية، بدأت رحلتها في فن تجليد المخطوط العربي الإسلامي خلال مرحلة البكالوريوس، حيث وجدت نفسها في بيئة جامعية تقدّر الإرث المعرفي وتشجع على الاقتراب من كنوز المكتبات اليمنية. دفعها أساتذتها إلى المضي في هذا المجال، فترسخ فيها شعور بالمسؤولية تجاه المخطوط باعتباره ذاكرة ثقافية تستحق الصون.
ورغم أنها لم تتخصص أكاديمياً في الترميم، فإن الممارسة العملية قادتها إلى فهم صناعة وتجليد المخطوط اليمني، فدرست الآثار والفنون الإسلامية وتخصصت لاحقاً في علوم فن الكتاب المخطوط، واعتمدت على البحث الذاتي المكثف في المدارس العالمية للفن، وتلقت تدريباً عملياً تحت إشراف عدد محدود من الأساتذة، لتبني خبرة امتدت خمس سنوات في ترميم المخطوطات الأثرية، قبل انتقالها للإقامة في جمهورية مصر. ما جذبها أكثر كان رؤية المخطوطات اليمنية الثمينة وهي تتعرض للتلف بفعل الزمن وسوء الحفظ، إذ أدركت أن دراسة تجليدها وترميمها ليست مجرد عمل فني، بل واجب وطني وثقافي.
وعن أول تجاربها في العمل على الترميم تقول العراسي: "إن أول مخطوطة عملت عليها، كتاب فقهي يعود للقرن الثامن الهجري، كانت في حالة يُرثى لها من تجليد ممزق وأوراق متحللة مليئة بآثار الحشرات والفطريات، فتجربة التعامل معها شكّلت نقطة تحول حقيقية في مسيرتها".
في الوقت نفسه، بدأت زينب أحمد باصيد، خريجة علم المكتبات والمعلومات، رحلتها المهنية قبل أكثر من ثلاثة عشر عاماً في دار المخطوطات بصنعاء، بين رفوف المطبوعات التي يتجاوز عددها عشرين ألف عنوان؛ قضت خمس سنوات في التصنيف قبل أن تنتقل إلى عالم الترميم الذي يتطلب صبراً ومهارة فائقة، لتجد فيه موقعها الطبيعي. رغم أن مهنة الترميم كانت تُعد مقصورة على الرجال في بيئة محافظة، فتحت مبادرة الخبير أحمد مسعود الباب أمام الكوادر النسائية، ودربهن عملياً، لتصبح زينب جزءاً من فريق يضم 17 مرممة.
وتقول باصيد إن من أبرز أعمالها ترميم مخطوط "نهج البلاغة" للإمام علي، الذي يزيد عمره عن سبعمائة عام، والذي استغرق الفريق عاماً كاملاً لإتمام ترميمه، ليصبح شاهداً حيّاً على جهود النساء في الحفاظ على التراث اليمني.
مساهمة المرأة اليمنية في صون المخطوطات
تشكل المرأة اليمنية عنصراً فاعلاً في حماية المخطوطات التاريخية، على الرغم من محدودية عدد الكوادر العاملة في هذا المجال. ووفقاً للأمين العام المساعد لشؤون الترميم والصيانة في دار المخطوطات، أحمد مسعد، فإن دار المخطوطات بصنعاء تضم نحو 18 ألف مجلد، يحتوي بعضها على أكثر من عنوان، إلى جانب المخطوطات الخاصة بهيئة الأوقاف ومكتبة الأحقاف في تريم حضرموت وزبيد، والمكتبات الخاصة لكبار علماء اليمن، ما يجعلها ثروة تاريخية غنية في مختلف العلوم والمعارف.
ويشير مسعود إلى أن عدد الكوادر النسائية العاملات في ترميم المخطوطات حالياً يصل إلى 15 خبيرة، وقد شاركن في صيانة أكثر من 11 ألف و935 مخطوطة أثرية، وترميم نحو 6 آلاف مخطوطة داخل دار المخطوطات. كما ساهمن في ترميم 35 جزءاً من أجزاء القرآن الكريم تعود للقرن الرابع الهجري، إضافة إلى 178 رقًّا مكتوباً بالخط الكوفي والحجازي من القرن الأول الهجري.

من جهته، يؤكد رئيس الفريق الوطني للترميم بمشروع الجامع الكبير، أمجد عبدالمغني، أن مساهمة النساء في مجال ترميم المخطوطات كانت حيوية ومؤثرة رغم قلة عددهن؛ فقد شاركن بفعالية في العمل الميداني من خلال ترميم المخطوطات المتضررة داخل دار المخطوطات، كما أسهمن في التوثيق وفحص المخطوطات وتصنيفها بما يعزز حفظ الذاكرة التاريخية. بالإضافة إلى ذلك، عملت بعضهن كمدربات لنقل مهاراتهن إلى موظفين جدد لضمان استمرار هذا التخصص النادر، وتبرز هذه الجهود دور المرأة اليمنية في صون التراث المكتوب وإعادة الحياة إلى مخطوطات تاريخية قيّمة، مؤكدة أنها جزء أساسي من حماية الإرث الحضاري الوطني.
نقص الكوادر النسائية في ترميم المخطوطات اليمنية
تواجه المحافظات اليمنية تحدياً كبيراً في وجود كوادر نسائية متخصصة في مجال ترميم المخطوطات، إذ أكدت الجهات المعنية في عدن وزبيد وحضرموت وتعز وسقطرى عدم وجود أي خبرات نسائية، بل إن بعض المحافظات تفتقر تماماً للاهتمام بالمخطوطات سواء من النساء أو الرجال، رغم امتلاكها مجموعة مخطوطات أثرية مهمة. ويعود السبب الرئيسي ـ بحسب أحمد مسعود ـ إلى عدم وجود معامل ومراكز ترميم في معظم المحافظات.
وفي زبيد، يوضح مدير جمعية المخطوطات، عرفات الحضرمي، أن غياب التدريب المتخصص يمنع مشاركة النساء في هذا المجال، كما أن دار المخطوطات في صنعاء اقتصرت برامجها على خريجات كلية المكتبات، ما حرم المحافظات الأخرى من تطوير كوادر نسائية مؤهلة. ويضيف أن الجمعية تواجه العديد من المعوقات التي تحول دون إقامة ورش عمل أو تدريبات ميدانية.
أما في عدن، فيشير مدرس قسم الآثار والسياحة بجامعة عدن، طه شهاب، إلى أن صيانة وترميم المخطوطات غير موجودة نهائياً؛ لا مراكز ولا متخصصون، فالمهتمون بالمخطوطات لا يمتلكون الخبرة العملية، كما تفتقر المدارس والجامعات إلى برامج تعليمية لتأهيل الكوادر في هذا المجال الحيوي.
ويوضح مدير المتاحف بمحافظة تعز، رمزي الدميني، أن هذه المشكلة أزلية منذ ما قبل الصراع، إذ كانت التدريبات والورش محصورة في صنعاء مع احتكار الترشيحات للكوادر، ما حرم الفروع الأخرى من التأهيل، بما في ذلك النساء اللواتي يواجهن أيضاً قيوداً اجتماعية وعائلية تمنع سفرهن للتدريب خارج مدنهن. وبذلك، بقي عمل خبيرات الترميم محصوراً داخل صنعاء، بينما تفتقر المحافظات الأخرى إلى كوادر نسائية مدربة، وهو ما انعكس على قدرة المتاحف والمؤسسات التراثية على مواكبة التطورات الحديثة في تقنيات حفظ وترميم المخطوطات.
كما يؤكد الدميني أن المشكلة لا تقتصر على النساء فقط، بل تشمل الرجال أيضاً، فمعظم المحافظات مثل عدن وأبين ولحج وحضرموت وتعز تفتقر إلى كوادر مؤهلة في الترميم من الجنسين.
وتشير زينب باصيد إلى أن أحد أسباب النقص يعود أيضاً إلى ضعف الوعي بأهمية المخطوطات من المدارس، مع غياب مادة تعليمية متخصصة لتعريف الطلاب بالإرث اليمني الغني بالمخطوطات.
ومن جانبها، تقول العراسي إن غياب الكوادر النسائية في مجال دراسة وصيانة وترميم المخطوطات في المدن اليمنية الأثرية يمثّل تحدياً حقيقياً يهدد استمرارية حماية هذا الإرث. وتعود المشكلة إلى ثلاثة محاور رئيسية: عوائق مؤسسية تتمثل في مركزية التدريب، وضعف المراكز المتخصصة، وارتفاع تكاليف هذا المجال، وقيود ثقافية تحدّ من دخول المرأة إلى أماكن حفظ المخطوطات وتقيّد فرص تنقلها وبحثها، إضافة إلى نقص الحافز الأكاديمي نتيجة غياب التخصصات الدقيقة وضعف الضمان الوظيفي. وتشير العراسي إلى أن معالجة هذا النقص تتطلب لامركزية التدريب وتعزيز الوعي بأهمية مشاركة المرأة في صون مخطوطات مدنها.
من جانبه، يؤكد أمجد أن مشاركة المرأة اليمنية في مجال المخطوطات والترميم ما تزال محاصرة بجملة من التحديات البنيوية؛ تبدأ بالقيود الاجتماعية التي تحدّ من قدرتها على الانتقال للتدريب أو العمل خارج محافظتها، وتزداد حدتها بفعل الظروف الأمنية التي تعمّق مخاوف الأسر. ويشير إلى أن غياب المراكز المتخصصة والأقسام الأكاديمية في المحافظات يحرم النساء من فرص التأهيل المهني، فيما يؤدي ضعف التمويل إلى غياب وحدات ترميم محلية يمكن أن تستوعبهن، وتدفع الضغوط الاقتصادية كثيراً من الشابات نحو مجالات أكثر مردوداً؛ ما يوسع الفجوة في هذا القطاع الحيوي.
عوائق استمرار النساء في الترميم
على الرغم من الشغف الكبير بالمخطوطات، تواجه النساء اليمنيات في مجال دراسة وصناعة وترميم المخطوطات الأثرية تحديات متعددة تعيق الاستمرارية. ووفقاً لسمر العراسي، تكمن التحديات الهيكلية والمؤسسية في غياب التخصص الأكاديمي، إذ لا توجد برامج جامعية متكاملة ومعتمدة في حفظ وترميم المخطوطات؛ ما يخرج كوادر قليلة التدريب العملي، كما يعتمد العمل على تمويل مؤقت ومشاريع خارجية متقطعة، ويغيب الاعتراف المهني والضمان الوظيفي الواضح؛ ما يدفع بعض المتخصصين للبحث عن مسارات مهنية بديلة.
أما على الصعيد المناخي والأمني، فتشير العراسي إلى صعوبة التحكم في بيئة المخطوطات من حيث درجة الحرارة والرطوبة مما يسرع تلفها، إضافة إلى أن التوترات والصراعات تعيق الوصول إليها وتسهل عمليات النهب والتهريب.

وتبرز التحديات الاجتماعية والنوعية بشكل خاص بالنسبة للنساء، حيث تفرض الحواجز الثقافية قيوداً على التواجد في ورش العمل أو أماكن حفظ المخطوطات النادرة، كما يفتقر المشهد إلى القدوات النسائية المستمرة التي يمكن أن تلهم جيلاً جديداً.
ومن جانبها، تذكر زينب أحمد باصيد المخاطر الصحية المرتبطة بالعمل مثل التعرض للأتربة والفطريات وروائح العفن، مع غياب أدوات السلامة والتأمين الصحي، إضافة إلى محدودية الترميم الفعلي لبعض المخطوطات شديدة التلف. وتؤكد أن الصعوبات المالية والاجتماعية، كالضغط الأسري وحاجة المرأة لرعاية أطفالها، تشكل عائقاً رئيسياً أمام استمرارها، خصوصاً في ظل توقف الدعم المالي بعد الحرب.
ويضيف الدكتور أمجد أن توقف الرواتب وعدم انتظامها وارتفاع تكاليف المعيشة والتنقل، إلى جانب توقف المشاريع الدولية والضغوط النفسية الناتجة عن الحرب وفقدان الأمن، تزيد من صعوبة العمل في هذا المجال الحساس والدقيق، مما يهدد استمرارية مشاركة المرأة اليمنية في الحفاظ على الإرث المخطوط الوطني.
وتختتم سمر العراسي بتأكيد أن الحفاظ على المخطوطات اليمنية لا يقتصر على الترميم الفيزيائي فقط؛ بل يجب تسريع الرقمنة لضمان بقاء المحتوى أمام التهديدات المستمرة، وتسهيل الوصول والدراسة للباحثين محلياً وعالمياً، مع إمكانية عرض المخطوطات في معارض مؤقتة ودائمة.
ومن جهته، يشدد أمجد على أهمية تعزيز دور المجتمع المحلي في حماية التراث من خلال التوعية بأهمية المخطوطات كجزء من الهوية الوطنية، والإبلاغ عن أي محاولات للسرقة أو البيع غير المشروع لضمان استدامة هذا الإرث الثقافي الثمين.
.png)
