كتبت/ أشجان بجاش حليص
لم تكن خديجة، البالغة من العمر 25 عامًا - أو كما تعتقد هي- تعلم أن غياب ورقة صغيرة سيحرمها من رحلة العمر. لم يكن أكثر ما آلمها هو حرمانها من دخول المدرسة في صغرها، بل صدمتها الكبرى حين مُنعت من السفر لأداء العمرة مع زوجها، فقط لأنها لم تمتلك يوماً شهادة ميلاد أو بطاقة هوية.
قصة خديجة، ابنة صنعاء، هي مرآة لمعاناة آلاف النساء اليمنيات اللواتي يعشن خارج سجلات الدولة، بلا أي وثائق رسمية تضمن حقوقهن الأساسية في التعليم والسفر، وحتى في إثبات وجودهن. وهو وضع ممتد من أجيال سابقه فوالدتها وجدتها أيضاً عاشتا حياتهما بلا أي هوية.
مواطنة الظل
في اليمن تعيش آلاف النساء في ظلال التهميش والحرمان، محرومات من أبسط حقوق المواطنة وهي امتلاك وثائق رسمية.
المدافعة عن حقوق الإنسان مارينا كمال تشير في حديثها لهودج: إلى أن غياب التسجيل الدقيق يعقّد عمل الجهات الداعمة والمنظمات الدولية إذ تعتبر هذه الفئة زيادة غير محسوبة في تعداد السكان ما ينعكس سلباً على تقدير نسب الاحتياجات من الغذاء والخدمات الصحية والتعليمية.
خلود عطاء -31 عام- شابة من مديرية حيس بمحافظة الحديدة تعكس جانباً آخر من المعاناة تقول: "نحن فتيات لم تتح لنا فرصة التعلم بسبب تقاليد الأسرة فكيف بامتلاك بطاقة شخصية؟"
وتضيف: واجهت مشكلة كبيرة عندما سافر زوجي للعمل في السعودية إذ لم يستطع تحويل الأموال إليّ مباشرة لعدم امتلاكي هوية فكان مضطراً لتحويلها إلى شقيقي.
هذا الحرمان يتناقض مع الدستور اليمني نفسه فالمادة (31) تنص على أن النساء شقائق الرجال، ولهن من الحقوق وعليهن من الواجبات ما تكفله وتوجبه الشريعة وينص عليه القانون، فيما تكفل المادة (41) المساواة بين جميع المواطنين في الحقوق والواجبات، غير أن هذه النصوص تفتقر إلى آليات تنفيذ فعالة.
كما أن واقع الحال يختلف باختلاف مناطق اليمن، إذ يوضح المدير العام لجوازات عدن - كريتر، نصر الشاوش، إن أي إنسان بلغ سن الرشد رجل أو امرأة يحق له التصرف كراشد وأن يقطع هوية دون وصي وهذا ما يحدث في عدن، في حين يقول ضابط الأمن يحيى لحجي، من مركز شرطة الثورة في صنعاء: "لقطع بطاقات شخصية لا تستطيع المرأة أن تحصل على هوية دون وصي ولابد من وجود أبيها أو أخيها".
وتعلق رئيس مؤسسة دفاع للحقوق والحريات المحامية هدى الصراري، "القانون اليمني واضح في مسألة حق المرأة في الحصول على جواز سفر بمجرد بلوغها 18 عاماً، لكن سابقاً اتخذت الدولة بعض التقييدات بناء على النظام الأبوي السائد والموروث الثقافي والعادات الدينية والاجتماعية فكان لا يُمنح الجواز إلا بوصي للمرأة وإن كان ابنها، وهذا فيه تقليل ونظرة دونية للمرأة وانتقاص بحقها".
وأضافت: جاءت حملة (جوازي بلا وصاية) لتصحح المسار القانوني للحصول على هوية أو جواز وأيده قرار من رئيس الوزراء آنذاك، الأمر الذي أعطى أمراً تنفيذياً واضحاً لأجهزة إنفاذ القانون بتنفيذ القرار وتصحيح المسار القانوني الموجود في الأصل.
وبحسب دراسة للدكتورة هدى علوي، حول المساواة بين الجنسين في اليمن، فإن اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، التي وقّعت عليها اليمن في وقت مبكر، دعت إلى "سن تشريعات وطنية تحرم التمييز، واتخاذ تدابير خاصة مؤقتة للتعجيل بتحقيق المساواة الحقيقية بين الرجل والمرأة، إضافة إلى تعديل الأنماط الاجتماعية والثقافية التي تؤدي إلى تكريس التمييز".
وتشير الدراسة إلى أن "اليمن رغم مصادقته على الاتفاقيات الدولية لا يولي العناية الكافية لمواءمة القوانين الوطنية مع تلك الاتفاقيات، وهو ما يفرز اختلالات كبيرة في الواقع العملي، ويكرّس الممارسات الإقصائية ضد النساء بفعل الثقافة الذكورية، مما يعيق مشاركتهن السياسية والاقتصادية".
في عام 2021، احتلت اليمن المرتبة 155 من 156 في المؤشر العالمي للفجوة بين الجنسين الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، مما يعطي صورة عن الفوارق الهائلة بين الجنسين.
القانون اليمني بين النص والواقع
يؤكد المحامي إبراهيم عثمان، أن القوانين النافذة ومنها قانون البطاقة الشخصية رقم (6) لسنة 1990 وقانون الجوازات رقم (40) لسنة 1991 تنص صراحة على أن "كل مواطن يمني، ذكراً كان أو أنثى، له الحق في استخراج بطاقة وجواز".
غير أن الواقع يكشف عن فجوة بين النصوص والتطبيق، إذ تحرم كثير من النساء بفعل العادات والتقاليد أو قرارات أسرية من استكمال معاملتهن.
ويتابع عثمان قائلاً: "حرمان المرأة من الوثائق لا يعد عائقاً فحسب، بل شكلاً من أشكال العنف والتمييز، لما له من أثر مباشر على مشاركتها في الحياة العامة وحرمانها من التمتع بالمواطنة الكاملة" داعياً إلى تفعيل دور الدولة في تسهيل حصول النساء على الوثائق، وتعزيز الوعي المجتمعي بأن الهوية حق فردي لا يخضع لسلطة الأسرة.
من جانبه يوضح، الأمين الشرعي، الدكتور يحيى الحميدي، أن بعض حالات الزواج تُعقد دون أي وثائق رسمية، حيث يُكتفى بتعريف الأب بابنته أو الاعتماد على شهود، ما يفتح الباب أمام أزمات قانونية مستقبلية تتعلق بالنسب والإرث.
انتماء هش
يربط أستاذ علم الاجتماع الدكتور محمود البكاري غياب الوثائق الرسمية بالشعور بالانتماء الاجتماعي، يقول: إن غياب الهوية يسهم في تكريس وصمة اجتماعية تلاحق النساء، فتُعتبر وكأنها خارج الإطار الطبيعي للأسرة والمجتمع، ما يؤدي إلى تهميشها وتقليل مكانتها.
مشيراً إلى أن "عدم امتلاك الوثائق يحرم النساء من التعليم، الصحة، والفرص الاقتصادية، ويجعل من الصعب اندماجهن في المجتمع أو مشاركتهن في الحياة العامة".
حلول وآفاق
يرى عثمان، أن الإصلاحات لا تتطلب تعديل النصوص بقدر ما تتطلب تفعيلها عمليًا، عبر إصدار تعميمات رسمية واضحة تُلزم الجهات المختصة بعدم اشتراط حضور الولي. ورفع وعي الموظفين والجهات الأمنية والإدارية بالحقوق القانونية للمرأة. وتعزيز دور الإعلام ومنظمات المجتمع المدني في رصد هذه الانتهاكات والضغط لمعالجتها.
في حين ترى الناشطة الحقوقية وداد البدوي أن الحل يكمن في ممارسة المزيد من الضغط لضمان حصول النساء على حقوقهن الكاملة، لا المنقوصة.
وتشير، إلى أن حقوقهن لا تزال غير مكتملة حتى تحت إدارة الحكومة الشرعية المعترف بها دوليًا. أما فيما يخص المحافظات الأخرى مثل صنعاء، فتصف الوضع بأنه صعب والحلول غير ممكنة حالياً.
لا يزال واقع النساء في اليمن يواجه فجوة عميقة بين نصوص القانون التي تمنحهن حقوقاً متساوية، وبين الممارسات الاجتماعية والثقافية التي تحرمهن منها.
وتبقى قصتي خديجة وخلود شاهداً حياً على أن المواطنة الكاملة لا تُمنح بالدستور وحده، بل بتفعيل القوانين وتغيير المفاهيم المجتمعية التي تعتبر الهوية حقاً مشروطاً، وليس أساسياً.
.png)
