كتبت/ سحر علي
في زمنٍ تتزاحم فيه الصور العابرة وتتشابه الحكايات، يظل الفن الحقيقي قادراً على أن يؤدي دوراً أبعد من الجمال البصري؛ أن يصبح ذاكرةً وهويةً ورسالة. ومن بين الأصوات الفنية اليمنية التي اختارت أن تجعل من اللوحة جسراً بين الوطن والعالم، تبرز جواهر المغلس، الفنانة التشكيلية اليمنية المقيمة في هولندا، التي سخّرت أعمالها لاستحضار تفاصيل التراث اليمني وقضاياه الإنسانية، ونقل صورة مختلفة عن اليمن إلى جمهور لا يعرف عنه في كثير من الأحيان سوى ما تنقله الأخبار من الحروب والأزمات.
ولا يمكن الاكتفاء بتعريف المغلس بوصفها فنانة تشكيلية فحسب، بل "راوية قصص بصرية"، تستخدم الألوان لتوثيق تفاصيل التراث اليمني الغني، ونقل مشاعر وقضايا الإنسان إلى العالم بأسلوب يجمع بين الأصالة والحداثة.

الفن والهوية
"عندما رأيت أثر أعمالي في عيون الناس، وكيف يمكن للوحة أن تحرك مشاعر الحنين لدى المغتربين وحتى القاطنين في اليمن أنفسهم، أو تثير فضولاً لدى الغربيين لمعرفة المزيد عن اليمن، أدركت حينها أن الفن هو رسالتي ومسيرتي الأساسية التي نذرت لها وقتي وشغفي".
كان الفن رفيق المغلس منذ سنواتها الأولى، لكنه ظل لفترة طويلة مساحة للتعبير الشخصي واكتشاف الذات. غير أن هذه العلاقة أخذت منحى مختلفاً بعد مرحلة الثانوية العامة، عندما بدأت تلمس الأثر الذي تتركه أعمالها في نفوس الناس، سواء لدى اليمنيين الذين تستحضر لوحاتها ذاكرتهم وحنينهم، أو لدى الغربيين الذين تدفعهم أعمالها إلى طرح الأسئلة واكتشاف اليمن من زاوية أخرى.
وتقول: "عندما رأيت أثر أعمالي في عيون الناس، وكيف يمكن للوحة أن تحرك مشاعر الحنين لدى المغتربين وحتى القاطنين في اليمن أنفسهم، أو تثير فضولاً لدى الغربيين لمعرفة المزيد عن اليمن، أدركت حينها أن الفن هو رسالتي ومسيرتي الأساسية التي نذرت لها وقتي وشغفي".
منذ تلك اللحظة، لم تعد اللوحة بالنسبة لها مساحة لتفريغ المشاعر فحسب، بل أصبحت صوتاً ومسؤولية. فالفن، في تجربتها، وسيلة لحفظ الذاكرة، واستحضار الهوية، وفتح نوافذ جديدة للتعريف باليمن وثقافته.
وترى المغلس أن التراث ليس مجرد نقوش أو أزياء قديمة، بل هو الهوية التي تشكل وعي الإنسان اليمني وقيمه، وتربط بين التراث والقضايا الإنسانية وصناعة المجسمات من خلال مفهوم "الإنسان والذاكرة".
وتقدّم هذا الجانب من فنها عبر نقل أعمالها إلى منتجات يومية مثل الأكواب والمرايا والحقائب، إذ تقول: "بدأت الفكرة من رغبتي في إخراج الفن من إطار المعارض والجدران المغلقة ليكون جزءاً من الحياة اليومية للناس"، مع طموح بأن يتحول هذا المشروع إلى علامة تجارية عالمية تحمل الهوية اليمنية إلى مختلف أنحاء العالم بالتوازي مع وصول أعمالها إلى متاحف عالمية كبرى.
المرأة والذاكرة

تحتل المرأة اليمنية مساحة بارزة في تجربة المغلس الفنية، لكنها لا تقدمها بوصفها ضحية للظروف أو شخصية هامشية، بل باعتبارها رمزاً للقوة والصمود والجمال. وتقول: "المرأة اليمنية في نظري هي رمز القوة والصمود والجمال، وليست مجرد ضحية للظروف".
ومن خلال لوحاتها، تحاول تقديم المرأة بكامل أناقة روحها وعمقها الإنساني، أكثر من التركيز على المظهر الخارجي، وإن كانت تستعين أحياناً ببعض العناصر التراثية للإيحاء بالانتماء والهوية. وفي أعمال مثل "سرطان الثدي"، سعت إلى تقديم المرأة باعتبارها صانعة للحياة والسلام، وإبراز ما تحمله من قوة كامنة وقدرة على الاستمرار رغم التحديات.
كما يبرز في أعمالها التباين بين الأبيض والأسود والألوان، وبين الوجوه والأقنعة، بوصفه لغة بصرية تعكس صراع الإنسان مع واقعه وأسئلته الداخلية. فالأبيض والأسود يمثلان أحياناً الحزن أو القيود أو الذكريات، بينما تأتي الألوان لتضفي روح الحياة والتجدد والأمل. أما الأقنعة والوجوه، فتعبر عن المشاعر المخفية خلف الملامح، وعن الإنسان الذي يرتدي قناع القوة والصمود بينما يخفي في داخله انكسارات أو أحلاماً أو تساؤلات لا يبوح بها بسهولة.
من اليمن إلى هولندا
"الإغراق في المحلية والخصوصية اليمنية هو الذي جعل فني مميزاً في عيون الآخرين".
منذ انتقالها إلى هولندا، وجدت المغلس نفسها أمام تحدٍ جديد يتمثل في شق طريقها الفني داخل بيئة مختلفة تماماً، وإعادة بناء حضورها من الصفر، بالتوازي مع مسؤولية تمثيل وطن يمر بظروف صعبة.
وتؤكد أن من أبرز الصعوبات التي واجهتها كفنانة يمنية كانت حرية إنتاج الفن كما تراه هي، لا كما يريده أو يقننه المجتمع. كما كان عليها أن تعيد بناء تجربتها الفنية في المهجر، وأن تثبت هويتها وسط مشهد ثقافي جديد ومختلف.
وفي الوقت نفسه، شكّل المهجر دافعاً إضافياً لتعريف الآخرين باليمن. وتقول إن أكثر ما آلمها بعد وصولها إلى هولندا هو اكتشاف أن كثيراً من الناس لا يعرفون أين تقع اليمن، أو ماذا تمثل حضارياً وثقافياً، وأن صورة اليمن في أذهانهم تكاد تختزل في الحرب.
لذلك لم تكتفِ بالتعريف ببلدها عبر الفن فقط، بل بدأت قبل ذلك بتعريف جيرانها ومعلمي اللغة باليمن من خلال إهدائهم نبتة "المشاقر" اليمنية التي جلبت بذورها معها من الوطن، أو إعداد بعض الأطباق اليمنية التقليدية، لتتحول الثقافة اليمنية إلى تجربة بصرية وحسية متكاملة.
وتجد أن الجمهور الغربي ينجذب إلى أعمالها بسبب التباين اللوني والتفاصيل الغنية وغير المألوفة، لكن هذا الإعجاب يتخذ بُعداً أعمق عندما تشرح الخلفيات الثقافية والرموز الكامنة خلف اللوحات، إذ يتحول الإعجاب البصري إلى تقدير فكري وعاطفي عميق للثقافة اليمنية.
ومن المواقف التي لا تزال عالقة في ذاكرتها، تأثر يمنيين أمام لوحات تستحضر تفاصيل البيت اليمني، حتى إن بعضهم أخبرها بأنه "شمّ رائحة اليمن" في أعمالها. كما تتذكر محاولات بعض جيرانها الهولنديين نطق كلمات يمنية مثل "ستارة" و"مصوَن"، أو دهشتهم عندما يكتشفون أن الأزياء التي تظهر في اللوحات ليست من وحي الخيال أو الأساطير، بل جزء من ثقافة حية ما تزال حاضرة حتى اليوم.
ورغم التحديات التي تواجهها كفنانة في المهجر إلا أنها تؤمن بأن سر تميز تجربتها يكمن في تمسكها بخصوصيتها الثقافية، وتقول: "الإغراق في المحلية والخصوصية اليمنية هو الذي جعل فني مميزاً في عيون الآخرين".
وبين العزلة التي يتطلبها الإبداع ومتطلبات الحضور المستمر في وسائل التواصل الاجتماعي، تحرص جواهر على أن تمنح نفسها مساحة كاملة للعيش داخل العمل الفني قبل وأثناء وبعد تنفيذه، قبل أن تعود إلى جمهورها لمشاركة التجربة والنتائج.
وفي رسالتها إلى الشباب والمبدعين داخل اليمن، تدعوهم إلى عدم الاستسلام للظروف الصعبة أو السماح لها بإطفاء شغفهم، مؤكدة أن الإبداع يولد من رحم المعاناة وأن البدايات البسيطة لا تقلل من قيمة الأحلام الكبيرة.
وتختتم حديثها قائلة: "أنتم الأمل الحقيقي، وإبداعكم وسط الركام هو أكبر دليل على حيوية هذا الشعب العظيم. لا تجعلوا الظروف المحيطة بكم تطفئ شغفكم؛ فالإبداع يولد من رحم المعاناة. جميعنا بدأنا بأبسط الأدوات، الأهم هو أن تؤمنوا بأفكاركم وأهدافكم حتى لو كانت مستحيلة حالياً، ولا يخيفكم عدم إعجاب الناس بها. استمروا في الرسم، والكتابة، والابتكار، واجعلوا من الفن سلاحكم للتعبير ومقاومة القبح. العالم بحاجة ليرى إبداعكم، وصوتكم سيصل حتماً طالما أنكم تؤمنون بما تقدمونه".
.png)
