كتب/ عبد الغني عقلان

بإرادةٍ لا تلين، طوعت حنان النوبي مرارة مشاهدات الطفولة في مخيمات مأرب لتغدو وقوداً لكيانٍ حقوقي رائد أسمته "رنين المستقبل".

اليوم، تقود هذه الشابة المأربية حراكاً تنموياً يرتكز على قاعدة أساسية تعتبر التعليم هو جسر العبور الآمن لانتشال الفئات المهمشة من دهاليز العوز والحرمان.

وفي حديثٍ خاص لمنصة هودج، تطل النوبي -ابنة مأرب التي لم يتجاوز عمرها أربعة وعشرين ربيعاً- كواحدة من أبرز الكوادر النسائية الشابة التي تضخ دماء الطموح في عروق مدينتها.

بنبرةٍ محملةٍ بآلام الواقع، تؤكد النوبي أن القاطنين في تجمعات الصفيح والنازحين في المخيمات يمثلون الحلقة الأضعف، والكتلة الأكثر تجرعاً لمرارة الوضع المعيشي المتفاقم الذي يلقي بظلاله على اليمنيين كافة.

البداية الأولى

تقول حنان: "كنت أذهب إلى مدرستي التي تعلمت فيها وهي مدرسة الشهيد محمد هائل، وأرى الأطفال المهمشين في الشوارع وأزقة التجمعات السكنية، فأشعر بألم شديد تجاههم لأنهم لم يحصلوا على فرصة التعليم بسبب الظروف المعيشية والفقر المحيط بأولياء أمورهم. وعندما أعود إلى المنزل أحدث أبي وأمي عنهم ودموعي تسقط من الحزن، فيبتسمون لي ويطمئنونني بأن المستقبل أمامي ويمكنني أن أفعل لهم شيئاً.. كبرتُ وكبر هذا الشعور بداخلي".

وتضيف: "شجعني أبي وأمي وأسرتي على التعليم وتجاوز كل الصعاب في المدرسة، كنت لا ألتفت إلى الخلف ولم أتأثر بالنظرة الدونية أو التنمر في بعض الأوقات، نظرتُ إلى المستقبل فقط وكنت على ثقة أن التعليم سيغير نظرة الناس نحوي".

وترى النوبي أن طريق الألف ميل يبدأ بخطوة؛ لذا التحقت بدورات تدريبية في تنمية المرأة والتخطيط وبناء فريق عمل بعد الثانوية العامة، وقامت بالنزول الميداني لعدة مخيمات وتجمعات سكنية للفئات الأكثر فقراً، وتحاورت مع البالغين منهم (ذكوراً وإناثاً) عما يمكن فعله، وبدأت بالتواصل مع فاعلي وفاعلات خير، وتمكنت مع فريقها من تقديم ملابس شتوية وأضاحي عيد للأكثر تضرراً.

التوعية والتثقيف

تتحدث حنان عن التوعية والتثقيف في التجمعات والمخيمات بحرقة شديدة قائلة: "بعد اندلاع الحرب في مارس 2015، ازداد تدفق النازحين من المهمشين وغيرهم إلى مدينة مأرب، فازداد الوضع سوءاً خصوصاً لذوي البشرة السمراء في المدينة، مع انعدام فرص العمل وانقطاع الأطفال عن التعليم. قمتُ مع فريقي بعمل توعية في (مخيم مربع 16) وجزء من (مخيم الجفينة) عن أهمية التعليم وضرورة دفع الأطفال إليه، وقمنا بتسجيل 182 طفلاً وطفلة في كشوفات المؤسسة".

وتضيف: "قمنا بإنشاء خمسة فصول دراسية لتعليم 182 طالباً وطالبة، معظمهم من الفتيات داخل تجمع مربع 16، وهي فصول غير أسمنتية وإنما عبارة عن خيام بدعم من منظمة اليونيسف".

شفاء -28 سنة- مواطنة من ذوي البشرة السمراء تسكن مخيم مربع 16، تقول: "كنت أحلم بتعليم أطفالي، وبفضل جهود حنان النوبي استطعت أن ألحق أطفالي الثلاثة بالمدرسة الابتدائية".

وتضيف: "صحيح أن الفصول خيام، لكننا فرحون بأن أطفالنا يتعلمون بما هو متاح لكي يعيشوا بكرامة ويحصلوا على عمل لائق".

أم الطالبة نوال محمد -10 سنوات- تقول: "عندما أُنشئت الفصول الدراسية في المخيم فرحتُ كثيراً، ودرست ابنتي نوال، وهذا العام قمت بتسجيلها في مدرسة النصر لإكمال تعليمها".

إنشاء مؤسسة حقوقية

تواصل حنان سرد قصتها: "لامستُ معاناة ذوي البشرة السمراء في التجمعات ومخيمات النازحين وتدني مستوى الحصول على الحقوق المدنية والاقتصادية والاجتماعية لسنوات طويلة. ومن أجل إيجاد حلول، كان لابد من إنشاء مؤسسة مصرح بها لكي أتمكن من التواصل مع الجهات المانحة، فتم إنشاء (مؤسسة رنين الحقوقية) عام 2019م".

وتؤكد النوبي أن التعليم هو المخرج الحقيقي من دائرة التهميش والإقصاء، بالإضافة إلى الاهتمام بتمكين المرأة اقتصادياً باعتبارها نواة التغيير.

وفي السياق ذاته، يقول وليد النوبي -47 سنة- والد حنان: "بعد تخرج حنان من الثانوية مباشرة انخرطت في العمل الاجتماعي، وساهمت في حل العديد من المشاكل داخل المخيمات، كانت ترافقني دائماً منذ طفولتها فاكتسبت ثقة عالية وقدرة على فض النزاعات".

الصعوبات والتحديات

تصف حنان التحديات قائلة: "لم تكن الطريق مفروشة بالورود، فنحن للأسف نعمل وسط موروث اجتماعي يمارس ضد هذه الفئة التهميش منذ أكثر من 1000 عام. نحاول الخروج من عنق الزجاجة والاندماج في المجتمع رغم النسيان المتعمد لأوضاع هذه الفئة ."

وتضيف: "من ضمن الصعوبات بُعد المدارس عن التجمعات، وغياب سياسات الدمج، بالإضافة إلى إقصاء الكوادر المتعلمة من المهمشين، وضعف التمويل وتجيير الدعم لمؤسسات أخرى بسبب المحسوبية".

الشراكة والتمكين

تتطلع حنان إلى شراكة حقيقية مع السلطات المحلية لإدراج احتياجات الفئات الأكثر فقراً ضمن الخطط التنموية، وتنفيذ مشاريع تمكين اقتصادي مستدامة.

وتضيف: "قمنا بتنفيذ دورات محدودة في التمكين الاقتصادي عبر مركز الملك سلمان ومنظمة اليونيسف."

المواطنة سهام أنيس -26 سنة- تقول: "التحقت بدورة تدريبية في التطريز مع مؤسسة رنين، والآن أعمل وهي مصدر دخل لي ولأسرتي".

تتباين تقديرات أعداد المهمشين في اليمن، وتتراوح بين 500 ألف إلى 3,5 مليون نسمة، بحسب مركز صنعاء للدراسات الإستراتيجية، وتُقدّر دراسة حديثة للمركز ذاته أعداد المهمشين بين 500 و800 ألف نسمة، أي نحو 1.6% إلى 2.6% من سكان اليمن.

بخطى ثابتة، استطاعت حنان أن تكون نموذجاً يحتذى به، لترسم ملامح مستقبل أكثر إشراقاً لفئات حُرمت من حقوقها لعقود، وتمكن الأجيال القادمة من الحصول على حياة كريمة أسوة بالآخرين.