‍

 

كتبت / مروى العريقي

 

بضع نقرات في تطبيق مجاني على الهاتف،تستغرق العملية ثوانٍ معدودة، يُفصل الوجه عن الجسد، وتُركب الملامح على مقطع غيرأخلاقي بأداة ذكاء اصطناعي لا تتطلب أي خبرة تقنية. هكذا يتم تزييف صور الأشخاصدون علمهم.

 

مطلع العام الحالي، وصلت صورًا  ومقطع فيديو تم تزييفهم للمخرجة التلفزيونيةاليمنية سارة الرشيد إلى حسابها الشخصي، لتجد نفسها في معركة غير متكافئة لا معالمبتز وحده، بل مع مجتمع محلي يرى في الصورة أدلة جازمة، وقوانين تقليدية تقفعاجزة أمام طوفان الخوارزميات.

 

إلا أن الرشيد واجهت هذا التهديد بصلابةوالكثير من الحكمة، إذ تقول في حديثها لهودج : واجهتُ ذلك بالوعي وعدم الانجرارإلى الاستفزاز، وثقت ما حدث واحتفظت بالأدلة، وبالعادة ألجأ إلى الحظر والإبلاغعندما يكون ذلك ضرورياً، وأرد على ما يستحق الرد فقط. إلا أنني لم أسمح لهذهالحملات أن تجعلني أتراجع عن حقي في التعبير أو عملي الإعلامي.

 

وتعزو الرشيد أسباب هذه الحملة إلى عملها فيمجال الإعلام، قائلة: بحكم عملي في الإعلام وظهوري المستمر على منصات التواصلالاجتماعي، تعرضت لأشكال مختلفة من العنف الرقمي، من بينها التشهير والإساءةالشخصية، والتنمر، ومحاولات النيل من سمعتي (التزييف العميق ) بسبب آرائي ومواقفي،إضافة إلى حملات منظمة للهجوم والتحريض ضدي.

 

تُظهر هذه الشهادة الصلابة الفردية التيتبديها عدد من الصحفيات، لكنها تفتح الباب على تساؤل أخر، إلى أي مدى تستطيعاليمنيات الصمود في وجه أدوات الذكاء الاصطناعي التي جعلت استهداف السمعة وتزييفالواقع أمراً أسرع وأشد فتكاً من قبل؟

 

هندسة الهجوم

بسبب تطبيقات توليد الصور المتاحة مجاناًتحوّلت التقنية الرقمية الحديثة من وسيلة للبناء والتمكين إلى سلاح تدميري تتجاوزفكرة الابتزاز المالي لتتحول إلى أداة لإسكات الصوت النسائي وكذا المعارضين.

 

وفي بيئة اجتماعية شديدة الحساسية كاليمن،يُصبح العنف الرقمي عبر أدوات الذكاء الاصطناعي الوسيلة الأسهل لإقصاء الصحفيات،المدافعات عن حقوق الإنسان، والنساء في المجال العام، وإجبارهن على الخيار المرير،إما الصمت القسري والانسحاب، أو مواجهة الوصمة والتهديد الوجودي.

تشرح خبيرة الأمن الرقمي سمر الحلال لـهودج الفرق البنيوي بين الهجوم التقليدي والهجوم المعزز بالذكاء الاصطناعي قائلة:"سابقاً كان الاستهداف يعتمد على شائعة أو حساب منتحل، أما اليوم فنحن أمامحملات مركبة، تبدأ بجمع البيانات المفتوحة عن الصحفية، بما فيها صورها، تسجيلاتهاالصوتية، مكان عملها، وشبكة علاقاتها العائلية، ثم تُغذى بها خوارزميات التزييفالعميق لصناعة مقاطع مضللة شديدة الإقناع."

وترسم الحلال سيناريو تشريحي لعمليةالاستهداف المنسقة:

 

وتؤكد الحلال أن النتيجة النهائية لهذهالعملية هي اغتيال معنوي رقمي، حيث يُجبر الجمهور والمؤسسة الإعلامية والأسرة علىاتخاذ موقف انكماشي، مما يدفع المرأة للانسحاب الكلي من الحياة العامة. وهو ماتؤكده أدبيات هيئة الأمم المتحدة للمرأة ومؤسسة (WITNESS)حول استخدام التزييف العميق لتقويض سلطة النساء ومصداقيتهن.

تؤكد الأرقام والإحصاءات الميدانية أن العنفالرقمي لم يعد حوادث فردية معزولة، بل تحول إلى ظاهرة تمس الأغلبية العظمى منالصحفيات في البلاد. فبحسب نتائج استبيان أجراه مركز الدراسات والإعلام الاقتصادي وشمل 80صحفية يمنية، فإن 60% من الصحفيات اليمنيات تعرضن للعنف الرقمي خلال الفترة منيناير 2025 إلى يونيو 2026، وهو ما يعكس الحجم المهول للمخاطر التي تهدد الصحفياتوتدفع بهن نحو الانسحاب أو التراجع عن ممارسة عملهن الصحفي.

 

الرقابة الذاتية كخيار مرير

لا يتوقف أثر استخدام التزييف العميق عندحدود العالم الافتراضي، بل يمتد ليزعزع النسيج الاجتماعي والأشخاص المحيطينبالضحية.

في هذا الجانب، تؤكد أستاذة علم النفسبجامعة صنعاء، البروفيسورة نجاة خليل صائم، أن الخوف من التضليل يدفع الصحفياتمباشرة نحو الرقابة الذاتية، حيث يضطررن للتراجع عن تغطية قضايا الفساد والسياسةوالعنف القائم على النوع الاجتماعي.

وتضيف صائم: "في المجتمعات المحافظةكاليمن، يُستخدم التزييف الرقمي كأداة ضغط مضاعفة. فالصحفية التي تُستهدف بتزييفصورتها تجد نفسها في موقع الاتهام بدلًا من الضحية، وتتحمل عبء إثبات براءتها أمامأسرتها ومجتمعها، مما يُضاعف الاستنزاف النفسي ويؤدي إلى عزلتها مهنياًواجتماعياً."

هذا الاستنزاف هو ما أكدته سارة بقولها:"الأثر الأكبر كان نفسياً، وخاصة مشاعر أهلي الذين يتأثرون كثيراً، فالإنسانمهما بلغت قوته يستنزفه الطعن المستمر في سمعته."

كما انتقدت الرشيد قصور الدعم المؤسسي:الدعم المؤسسي محدود جداً، وفي معظم الأحيان تجد الإعلامية نفسها مضطرة لمواجهةهذه الهجمات بمفردها دون سند قانوني أو نفسي.

 

من يستهدف الصحفيات؟

خلال إعداد هذا التقرير تعرضت إحدىالصحفيات لانتهاك جديد تمثل في فبركة صور لها في مقر عملها عبر استخدام أدواتالذكاء الاصطناعي، حيث نشر حساب أحدهم صورة مفبركة لها مدعيا بأن سلوكها ينافيعادات المجتمع، ولعل السؤال الأبرز هنا من يستهدف الصحفيات في اليمن؟ والإجابة علىهذا السؤال لا تتطلب الكثير من الجهد، ففي الفضاء الأزرق من لم يروق له منشور لكيستطيع مهاجمتك، في ظل وضع قانوني هش، وبلد متشضي يعيش على وقع ويلات الحرب.

وبين الحملات الممنهجة والاستهداف الشخصيتوضح خبيرة الأمن الرقمي سمر الحلال أن هناك مؤشرات تقنية وحركية جازمة تفصل بينالجريمة الموجهة بهدف الابتزاز المالي الشخصي، وبين الهجمات المنظمة التي تستهدفإلغاء الحضور العام للمرأة وتقويض هويتها المهنية.

وتخلص الحلال إلى وضع معادلة فارقة تحكمطبيعة الهدف من الانتهاك: في قضايا الابتزاز الشخصي، يتحرك المسار خطياً بينالمهاجم والضحية بغرض المساومة طلباً للمقابل. أما حين يغدو الهدف إقصاء امرأة منالمجال العام، فتتحول العملية إلى استراتيجية تبدأ بتصنيع محتوى كاذب بالذكاءالاصطناعي، يليه تضخيم منسق عبر الشبكات، ثم استهداف دقيق للجمهور والأسرةوالمؤسسة، للوصول إلى تقويض المصداقية، ودفع المرأة في النهاية نحو خيار الانسحابوالصمت القسري.

 

قصور القوانين التقليدية

أمام هذه الممارسات التقنية المتطورة، يقفالقانون اليمني مكبلاً بنصوص قديمة لم تُصمم لمواجهة العصر الرقمي.

توضح المحامية والمدافعة عن حقوق الإنسانسماح سبيع لـ هودج: اليمن يفتقر تماماً إلى قانون خاص بمكافحة الجرائم الإلكترونيةأو العنف الرقمي المبني على النوع الاجتماعي. وما يحصل حالياً هو اجتهاد من القضاةوأعضاء النيابة لتطبيق نصوص تقليدية من قانوني العقوبات والصحافة، مثل الموادالمتعلقة بالتشهير، القذف، الابتزاز، أو التعدي على الحياة الخاصة (كاستراق السمعوالتقاط الصور).

وترى سبيع أن هذا الاجتهاد، رغم أهميته فيسد الفراغ الحالي، يظل قاصراً عن ملاحقة جرائم الذكاء الاصطناعي والتزييف العميقعبر الحدود.

وتضيف: "نحن بحاجة ماسة إلى تشريعاتحديثة حازمة، فالتشريع هو أساس ردع المنتهكين ورسم حدود الحماية. والدول المجاورةبدأت بالفعل في سن قوانين متطورة وإبرام اتفاقيات للتعاون القضائي وتتبع أرقامالمعرفات (IPs) عبرالحدود."

وفي ظل التعطيل المؤسسي الناجم عن الصراعفي اليمن، توصي سبيع بالعمل بالمعاهدات والمواثيق الدولية المصادق عليها بموجب مانصت عليه المادة السادسة من الدستور اليمني، إلى جانب تدريب القضاة وأجهزة أمنالشرطة وتوعية الأسر بدعم الضحايا قانونيًا وعدم التعامل مع العنف الرقمي كـفضيحةأو وصمة.

 

انحياز الخوارزمية

إذا كان التشريع المحلي غائباً، فإنالمنصات التقنية العالمية مثل Meta وX،تفشل بدورها في توفير الحماية اللازمة للمستخدمات في البيئات عالية المخاطركاليمن.

يشرح خبير تقنية المعلومات المهندس فهميالباحث، الأسباب الرئيسية لقصور هذه المنصات قائلاً: أولاً، الاعتماد المفرط علىالذكاء الاصطناعي في المراجعة الذاتية، فالخوارزميات والأنظمة لم تُدرّب على فهماللهجات العربية أو التناولات المبطنة والرموز الساخرة التي تُستخدم في التشهير أوالتهديد باليمن. ثانياً، غياب الفهم الثقافي لدى مراجعي المحتوى البشريين، حيث يتممراجعة بلاغات المحتوى العربي أحيانًا من قبل موظفين لا يعرفون السياق السياسيوالاجتماعي المحلي.

ويكشف الباحث عن البعد الاقتصادي لهذاالتقاعس: الشركات التقنية شركات ربحية، الموارد التي تخصصها لمراجعة المحتوى فياليمن متدنية للغاية مقارنة بدول أخرى، لأن العائد المالي من السوق اليمني محدود.فضلاً عن تراجع هذه الشركات مؤخراً عن تفعيل نظام الشركاء الموثوقين، الذي كانيتيح للمؤسسات الحقوقية خطوط اتصال مباشرة لإزالة المحتوى بشكل عاجل.

وحول المساءلة، يؤكد الباحث على أهميةالتحرك عبر عدة مسارات: بدءاً بالشكاوى الداخلية المتمثلة في مراسلة الشركة ذاتها،بتحديد نوع المخالفة وتقديم اعتراض على الإزالة في حال أزالوا منشوراً صحيحاً،ويمكن اتباع نظام الشكاوى الجماعية بواسطة المنظمات الدولية مثل منظمة العفوالدولية، استغلال قوانين حماية البيانات الصارمة في الاتحاد الأوروبي، واللجوءللصحافة الأمريكية المستقلة للضغط على هذه الشركات.

أمام هذه التهديدات المركبة، يتجاوز العنفالرقمي كونه مجرد مضايقات شخصية، ليغدو خطراً مهنياً ومؤسسياً يهدد بيئة العملالإعلامي برمّتها. وهو ما يضع المؤسسات الصحفية والحقوقية أمام اختبار حقيقيلإعادة تعريف بروتوكولات الحماية الخاصة بكوادرها النسائية.

وتشدد صائم على أن الركيزة الأولى للحمايةتبدأ من تقديم دعم نفسيومهني منظم يتجاوز النمط التقليدي، وذلك من خلال توفير جلسات دعم سرية وآمنة،وترسيخ ثقافة مؤسسية تبتعد عن لوم الضحية، مع منح الصحفية المتضررة المساحة والوقتالكافيين للتعافي دون التشكيك في كفاءتها أو مهاراتها.

وتضيف صائم أن حماية الصحفيات تتطلباستجابة سريعة داخل المؤسسات، بدءاً بالتعامل مع العنف الرقمي ضد الصحفيات كخطرمهني ومؤسسي لا كمشكلة شخصية.

وأضافت: على المؤسسات تولي التوثيق الفنيللانتهاكات، حفظ الأدلة، تأمين الحسابات المخترقة، والتواصل المباشر والضغط علىالمنصات التقنية لإزالة المحتوى المسيء بشكل عاجل.

وكذا المساندة القانونية الفاعلة بتقديمالدعم القانوني الفوري لمساعدة الصحفية في تحريك البلاغات ومتابعتها أمام الجهاتالمختصة، وإصدار موقف رسمي داعم عند تعرضهن للهجمات، مع ضمان ألا تتحول الحمايةإلى إقصاء أو تقليل من حضور الصحفية ودورها المهني.

 

كيف تحمي الناشطات والصحفياتأنفسهن؟

يُجمع الخبراء على أن مواجهة العنف الرقميالقائم يتطلب خطة استجابة سريعة تجمع بين الحذر التقني، التوثيق القانوني،والتضامن المؤسسي.

بحسب المهندس فهمي الباحث فإن خطواتبروتوكول السلامة الفورية تبدأ في تقييم المخاطر وحفظ الأدلة، من لقطات شاشة توضحالسياق ورابط الحساب المُعتدي، وتاريخ ونشاط الحساب قبل تعديله أو حذفه. وتأمينالحسابات الشخصية، بتغيير كلمات المرور فور تلقي التهديد، واللجوء إلى الإبلاغ عبرآليات المنصات. التواصل مع جهات لها علاقة مباشرة مع المنصات لرفع البلاغات، وبعدذلك بحسب القوانين المحلية ويفترض في اليمن سيكون هناك قانون لمكافحة الجرائمالإلكترونية الذي بموجبه يتم إبلاغ الجهات المختصة بالانتهاك.

تختصر سارة الرشيد رسالتها لكل امرأة يمنيةتواجه هذا السلاح الرقمي بالقول: "لا تصمتي، ولا تلومي نفسكِ، ولا تسمحي لأحدأن يجعلكِ تشعرين بأنكِ المخطئة لأنكِ اخترتِ أن يكون لكِ صوت وحضور. وثّقي كلإساءة، واستعيني بالجهات المختصة، والأهم، لا تجعلي الخوف يدفعكِ للتخلي عن حقكِفي التعبير؛ فالمرأة القوية ليست التي لا تتألم، بل التي تتألم ثم تقف لتكملطريقها."

هذه المادة أنتجت ضمن مشروع دعم الصحافةالمستقلة في اليمن بالشراكة مع مركز الدراسات والإعلام الاقتصادي

‍