حضرموت- إيمان محمد

بعد خمس سنوات من النزوح والظروف القاسية التي رسمت تعاريجها على وجه الأربعينية "س. ع" واوصلتها للتفكير بالانتحار والرحيل من الدنيا التي تكبدت فيها أصناف من المعاناة والقهر.

بسبب الحرب نزحت "س. ع" مع زوجها وأطفالها الأربعة التي يتراوح أعمارهم ما بين "6 – 18" عامًا ليعيشوا بخيمة صغيرة لا تتجاوز مساحتها خمسة أمتار طولا وعرضا، لا تقيهم حر المصيف ولا برد الشتاء في ظروف معيشية صعبة يفتقرون فيها لأبسط مقومات الحياة بعد فقدان رب الأسرة لوظيفته كمهندس كهربائي.  

اعتداء  

تمسح (س.ع) الدموع وهي تروي مأساتها، وتشير إلى أنها مهما حكت فلن تستطيع التعبير عن معاناتها والظروف التي تعيشها مع مريض نفسي قاسي ولا يمكن لأي امرأة تقبلها لكن هذا الواقع والقدر المكتوب، حسب قولها.

تغطي ملامح الحزن والالم وجه "س. ع" لكنها تحاول أن تبدو متماسكة، وتقول: ابتدأت معاناتي بعد أن فقد زوجي عمله ومصدر دخله الأساسي الذي كان يعيل أسرته، ودخل في حالة اكتئاب شديد، ويتعاطى القات بشكل جنوني، ولم يعد يرغب بالبحث عن عمل آخر، ويريد التنصل من مسؤوليته تجاه أسرته، إلا من خلال بيع الممتلكات.

وتضيف: نتعرض للضرب والاهانات في حالة طلبنا أي شيء منه، ورغم قدراتي على العمل والخروج إلا أنه يمنعني من ذلك بشدة وإذا خرجت وعلم بذلك لا يمكن أن يمر الأمر دون ضرب مبرح وتعنيف لفظي يصل إلى حد القذف والتشهير في أمام أولادي.

"س.ع" ليست إلا واحدة من الاف النساء المعنفات في بلد يحتل المرتبة الأخيرة في المؤشر العالمي للفجوة بين الجنسين الذي وضعه المنتدى الاقتصادي العالمي للسنة الـــ 13 على التوالي، وازداد العنف القائم على العنف الاجتماعي بسبب ما خلفته الحرب من أوضاع اقتصادية صعبة وانقطاع مرتبات موظفي الدولة منذ ما يقارب أربع سنوات، حيث تشير تقارير دولية إلى وجود حوالي  80% من العمال في اليمن فقدوا أعمالهم منذ بداية الحرب في 2015، وبحسب المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين من المُقدّر أن يكون عدد النازحين داخلياً في اليمن قد وصل إلى حوالي 4 ملايين شخص مطلع 2021م.

خيارات مٌرة

غلقت كل الأبواب في وجه "س .ع" ولم يعد لها أمل في الخروج من أزمتها  ففكرت مرارًا بالطلاق والعودة إلى أسرتها لكن مصير أولادها الغامض سيطر على عقلها بعد أن أكد لها اخوتها عدم قبولهم بها مع الأولاد عدا بطفلها الصغير.

العلاقة المتوترة داخل الأسرة انعكست على نفسية الأولاد وشخصيتهم، فعلى الرغم من أن الابنة الكبرى لـ"س. ع" تتمتع بجمال وذكاء جعل كثير من الشبان يتقدمون لخطبتها لكنها ترفض الفكرة بشدة، وتحس بالخوف وتدخل بنوبة من البكاء والصياح، معتقدة أن جميع الأزواج يمارسون نفس سلوكيات والدها، وأنها ستعيش نفس الحالة التي تراها من معاملة والدها لنا وتدخل في أجواء نفسية صعبة بسبب ذلك.

شعاع أمل

وفي عتمة الأوضاع التي تعيشها "س. ع" ظهر في حياتها شعاع أمل عند تسجيلها في إحدى المساحات الآمنة لإحدى المنظمات وتم تقديم الدعم النفسي من خلال جلسات الارشاد والتوعية لتعود إلى الحياة بتفاؤل وروح جديدة.

واستطاعت(س.ع) أن تدخل في برنامج تدريبي في الخياطة لمعيلات أسر نفذته أحد المنظمات المانحة بالمنطقة وتمتلك ماكينة خياطة وتنتج عددًا من الاعمال اليسيرة المدرة للدخل وهو ما يبعدها قليلا عن التفكير في حالتها ويشغلها.

ورغم توصية كثير من الأمهات والمرشدات ل (س. ع) بترك زوجها ومنزلها إلا أن الدكتورة سارة الشرفي اخصائية ارشاد نفسي ترى أن السبب الأساسي في هكذا معاملة يرجع إلى الزوجة فسكوتها في البداية على التعنيف وصبرها هو الذي جعله يتجرأ يستهين بالأمر.

وأوضحت اخصائية الارشاد النفسي أن في أحد الدراسات الاستكشافية حول موضوع العنف المنزلي في الیمن ، أكمله فريق مكون من باحثين في أغسطس العام الماضي، يكشف أن 46.4% من النساء اللاتي تم سؤالهن تعرضن للضرب من أزواجهن أو من أعضاء الأسرة الآخرين.

ولاحظت الدراسة أن 50.9% من النساء كن ضحايا للتھديد باستعمال العنف، و54.9% تعرضن لإيذاء جسدي، و17.3% تعرضن لعنف جنسي، و28.2% قيدت حريتهن و34% تعرضت ممتلكاتهن للدمار أو السرقة، بينما لم تتعرض 28.2% من النساء موضوع المسح، لأي شكل من أشكال العنف في المنزل، وعانت 44.5 % من النساء من ثلاث أنواع أو أكثر من العنف.

وتضيف الشرفي كان الأولى أن تتخذ "س. ع" موقفًا صارمًا منذ البداية وتهدده باتخاذ اللازم ضده وحتى الإبلاغ عنه، لكن وقد وصل الأمر إلى هذا الحد فينبغي التفتيش عن أي نقطة صغيرة إيجابية في حياته سوى كان معها او أي شيء آخر وتنمية ذلك تدريجيًا ومراعاة ردود الأفعال الأولية حيال ذلك حتى يتم تقبل الأمر، وفتح النقاط المشتركة الأخرى.

وطلبت من "س. ع" فتح خطًا واسعًا مع استشاريين ومتخصصات في العلاقات الزوجية ليساعدهما في إعادة ترميم العلاقة بينهما.

استعانة

وتدعو عائشة سالم مدير إداري في برنامج مهارتي لتحسين سبل العيش لمعيلات الأسر أن تستمر في الاستقلال المادي كونها لديه القدرة على العمل وأن يكون هناك جزء من المال خاص لحالات الطوارئ.

وترى أنه لا يجب إخفاء أمر الضرب سرًا ،واعتباره أمرًا تخجل الضحية منه، خاصةً إذا كان الأمر متكررًا، ولا بد من بقاء دائرة من الاهل المقربين حولها ليساعدوها إذا اشتد الأذى ورغبتِ في أي قرار، وأن تحاول التواصل مع جهات قضائية ومحاميين وجهات نسائية مختصة في هذا المجال.