بشرى الحميدي


"أواسي نفسي وأقدم عزائي لها على الظلم الذي يحكمه منطق المال وليس منطق الإنسانية"، بهذه العبارة بدأت سارة، اسم مستعار، حكايتها لـ "هودج"، فعلى الرغم من تواجدها في دولة تستنكر عنف الشريك اجتماعيًا، وتعده جريمة يحاسب عليها القانون، إلا أنها تعرضت للعنف لفظيًا ومعنويًا بل وحتى جسديًا، كما تقول.

ضرب مبرح

سافرت سارة، 36 عامًا، إلى المغرب مع بداية الحرب في اليمن، حيث أكملت دراستها الجامعية في الآداب الإنجليزية والعلوم الإنسانية، وتخرجت بتقدير "جيد"، وهناك تزوجت برجل مغربي، وأنجبت منه 4 أبناء، إلا أن زوجها فرض عليها سيطرته، وتحكم في تفاصيل حياتها بقسوة كما تقول، ولم تجرؤ على الاعتراض خوفًا على أبنائها، ولكونها لا تملك ملجأ لها غير منزله. 

"ظل يلاحقني بعد الطلاق حتى أنني لم أجد الشعور بالأمان، بل ظل الخوف يرافقني في كل مكان اتجه إليه"

تقول: "تعرضت للعنف منذ بداية زواجي به، بدأ الأمر لفظيًا ومعنويًا، ثم تطور للضرب حتى كانت الرضوض تظهر على جسدي"، وتضيف: "زادت الإهانات والشتائم والضرب حتى كاد يقتلني. كنت أشتغل وأصرف عليه وعلى أهله مضطرة للبقاء صامتة، فلدي أطفال، وليس لي ملجأ آخر أذهب إليه وأنا غريبة في ذلك البلد".

وتوضح سهام، اسم مستعار، وهي إحدى صديقات سارة، بالقول: "أعرف سارة منذ وقت طويل. ‏لم أره يضربها لكنني كنت أرى على جسمها آثار ضرب مبرح وكدمات كثيرة على مدى سنين، وكانت كثيرًا ما تشتكي من سوء معاملة زوجها لها".





البحث عن الأمان

طفح الكيل بالنسبة لها كما تقول، ولم يعد بمقدورها التحمل أكثر، ففكرت في طلب الطلاق، "بعد فشل أمنياتي بأن الأمور يمكن أن تتحسن، أدركت أن طلاقي محتم لا هروب منه، وليس بيدي حيلة، فأما الطلاق أو الانتحار".

تقدمت سارة بشكوى عاجلة إلى وكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية في المغرب تتعلق بالتعرض للعنف والاعتداء، وتطالب فيها بمعاقبة المشتكى به، تقول: "توجهت إلى المحكمة طلبًا للطلاق، فاتصل بي وقال بأنه سيطلقني في حال قبلت أن أعطيه ما لدي من المال، فقبلت خشية على أولادي، لكنني خسرتهم أيضًا".

"كشفت عدد من تجارب زواج يمنيات من جنسيات أخرى في بلد الغربة تعرضهنّ للتعنيف والعنف والطلاق، بل ورميهنّ على قارعة الطريق"

مشكلة سارة لم تنتهي بطلاقها، ولا حتى بعد خسارة أبنائها، "ظل يلاحقني بعد الطلاق حتى أنني لم أجد الشعور بالأمان، بل ظل الخوف يرافقني في كل مكان اتجه إليه"، أدركت حينها أن ذلك البلد لم يعد صالحًا لبقائها في ظل تلك المخاوف، فتوجهت بطلب إلى مفوضية الأمم المتحدة للاجئين لنقلها إلى ألمانيا حيث يمكنها أن تعيش بكرامة وأمن، لكنها أحيلت للعيش في مدينة تركية تحت ما يعرف بـ "بطاقة الحماية".



دون عمل 

حزمت سارة أمتعتها، واستقلت أول طائرة متجهة نحو تركيا هربًا من عنف طليقها وتهديداته كما تقول، وعلى الرغم من أنها أصبحت بعيدة عنه في تركيا، لكن مشكلة أخرى ظهرت أمامها، "دون بيت في الغربة ودون عائلة، أصبحت عاطلة عن العمل، فمن الصعب أن أجد واحدًا في تركيا".

وتضيف: "خسرت ما كان بحوزتي من مال قليل في محاولات الحصول على فيزات، أردت الدخول لألمانيا لكنهم رفضوا، ولم أتلقَ أي جواب من أي منظمة إنسانية ولا من دولة تركيا للعيش بطريقة عادية، ولم أجد مساعدة في توفير المواد الغذائية". 

أشد وطأة

تفيد حورية مشهور، وزيرة سابقة لحقوق الإنسان في اليمن: "وضع اللجوء على النساء والأطفال أشد وطأة، تحديدًا وهنّ يخضنّ هذه المخاطر والمغامرات لأول مرة"، وتضيف: "يستطيع الرجال، خاصة الشباب منهم، تحمل مشاق ومخاطر تلك الرحلات للوصول إلى الدول التي توفر لهم الأمن والأمان، ولكن النساء لا يستطعنّ ذلك على الأغلب، ومع ذلك فقد خاطرت بعض الشابات، وركبنّ قوارب الموت، وقطعنّ مسافات مشيًا على الأقدام، وتحملنّ مرارة العيش في بلد اللجوء هربًا من الموت".

"العنف والاعتداء على المرأة يسبب لها الألم والرضوض النفسية التي تجعلها تعاني من مخاطر الإصابة بالأمراض النفسية والعضوية"

وتقول نبيلة سعيد، وهي صحفية مهتمة بالجانب الإنساني، إن حياة النساء اليمنيات في بلد غير الوطن "عبء إضافي إلى جانب ما يواجهنّ من ظروف خانقة، خصوصًا إذا كان الشريك مفقودًا أو غائبًا أو متملصًا من المسؤولية في البلد الجديد". 

وتضيف سعيد: "كشفت عدد من تجارب زواج يمنيات من جنسيات أخرى في بلد الغربة تعرضهنّ للتعنيف والعنف والطلاق، بل ورميهنّ على قارعة الطريق، والسبب غالبّا أن تلك الزيجات لم تكن مدروسة بما يكفي". 

الحلقة الأضعف

من جانبه، يقول عميد مركز الإرشاد والبحوث النفسية بجامعة تعز، الدكتور جمهور الحميدي: "المرأة والطفل أكثر عرضة لآثار الحرب، وهما الحلقة الأضعف"، ويضيف: "تتعرض المرأة للمضايقات والتحرش والعنف، سواء في الشارع أو من الأهل أو الزوج، وخاصة في حالات اللجوء خارج الوطن، وهذا له انعكاسات نفسية على المدى البعيد على المرأة" .

ويوضح الحميدي: "العنف والاعتداء على المرأة يسبب لها الألم والرضوض النفسية التي تجعلها تعاني من مخاطر الإصابة بالأمراض النفسية والعضوية، وقد يتطور الأمر إلى الذهاب نحو الانتحار، ما يستوجب مضاعفة الجهود  في سبيل تقديم الدعم النفسي والمساندة الاجتماعية للمرأة والطفل في مواجهة تلك الآثار النفسية".