كتب/ عبد اللطيف سالمين
عندما أخبرها الطبيب بمرضها، لم يكن أكثر ما آلمها هو البرص نفسه، بل صمت البيت من حولها الذي كان أثقل من المرض. فجأة، أصبحت عيون إخوتها ترصد تصبغات جسدها كخطر على "سمعة" العائلة، وأصبحت خطواتها تُراقَب وكأنها تحمل عارًا يتسرب مع أنفاسها.
تقول منى سالم -36 عامًا- من عدن لموقع هودج: "لم يقتصر الحديث عن مرضي على الناحية الطبية، بل تحول إلى همس لم أتوقعه يومًا، خاصة أن إصابتي بالبرص لم تكن بذنبي. بعد التشخيص، بدأ الجميع يتحدث عن سمعة العائلة، وعن زواج أختي الصغرى الذي قد يتأجل، وعن خوفهم من ألا يتزوج أحد من بقية أخواتي. حتى جسدي لم يعد يُرى إلا كعلامة نقصان."
أثر الوصمة على الصحة النفسية
إضافة إلى عمل دنيا محمد في مركز للأطفال المصابين بالشلل الدماغي في عدن، تقدم دعمًا نفسيًا واجتماعيًا للنساء في غالبية وقتها المهني، تقول محمد: "من خلال جلسات الدعم، لاحظت أن تجاهل الأسرة للمرأة المريضة أو التعامل معها كعبء يزيد من معاناتها أحيانًا أكثر من المرض الجسدي ذاته."
وتحكي في حديث خاص لهودج، عن حالة امرأة أصيبت بحادث سير: "كانت إصابتها قابلة للشفاء، لكن غياب الرعاية العاطفية وخوفها على أطفالها، مع إصابتها بالسكري، فاقم حالتها حتى اضطر الأطباء إلى البتر.
وتؤكد محمد: المرض لم يكن قاتلًا، لكن شعورها بأنها عبء هو ما قتل أملها."
وتوضح أن الصمت أو الكلمات العابرة قد تتحول إلى عقوبة طويلة الأمد حيث أن: عبارات مثل: "مين يتزوجها وهي مريضة؟، أو التجاهل الكامل من الأسرة، تترك أثرًا لا يزول. تصنع عزلة ورفضًا داخليًا قد يمتد لعقود حتى بعد الشفاء."
أعباء إضافية
المرض بالنسبة للنساء في اليمن لا يُختزل في الألم الجسدي فقط،
ويتخطاه ليُعامل كحدث اجتماعي يترك تبعات نفسية عميقة. غالبا ما يتحول الجسد المريض إلى رمز للضعف أو العار، مما يضاعف من معاناة المرأة.
وتؤكد محمد: "المرأة لا تواجه ألمها وحده، بل تُحمّل أعباء صورة الأسرة أمام الناس: سمعة الزواج، نظرة الأقارب، وثقة إخوتها بها."
الناشطة والباحثة في المجال الطبي والحقوقي، الدكتورة آيات النعماني، أكدت في حديثها الخاص لهودج إلى كونها صادفت الكثير من النساء اللواتي ترددن في بدء العلاج أو الإفصاح عن مرضهن خشية فقدان فرص الزواج أو التعرض للوصم الاجتماعي.
وتشير النعماني إلى أن هذا التردد والخوف يقود إلى عزلة اجتماعية، وانعدام ثقة بالنفس، وتفاقم للاكتئاب والتوتر. ويعتبرن الكثير من النساء أن المرض عيبًا يجب إنكاره وإخفاؤه، ما يضعف التزامهن بالعلاج ويؤخر شفاهن.
وتضيف: "أكبر تحدٍ نواجهه كطبيبات هو إقناع الأسر بأن المرض ليس عارًا، بل حالة تحتاج إلى وعي ورعاية."
وصمة أو تمييز؟
تشير دراسات محلية إلى أن المرض لدى النساء يُعتبر علامة "نقص" أو "عيب"، وهو ما يؤدي إلى التهميش.
تقول محمد: "المجتمع لا يرى جسد المرأة ككائن إنساني، بل كرمز للشرف والزواج والإنجاب. فتُلام على مرضها وكأنها اختارته."
الوصمة الاجتماعية تترك أثرًا عميقًا على العلاقات داخل الأسرة. ففي كثير من الحالات، يتحول المرض إلى مصدر خجل، يؤدي إلى تباعد العلاقات ويزيد عزلة المريضة. في أسر عديدة، يُفضَّل الصمت خوفًا من تأثيره على السمعة. هذا الصمت يضاعف عزلة المريضة، ويمنعها من طلب المساعدة أو الاعتراف بمعاناتها.
وتوضح النعماني أن المجتمع اليمني يفرّق بين مرض الرجل والمرأة: "حين يمرض الرجل يُنظر إليه كضحية قدر ومسؤولية، بينما تُعامل المرأة كعبء يسلبها قيمتها كأم وزوجة. هذه الفجوة تعود لضعف الوعي الصحي والثقافة التي تختزل المرأة في جسدها وقدرتها الإنجابية."
وتضيف أن الأمراض النفسية تتصدر قائمة الوصم في ظل الحرب، مثل الاكتئاب والقلق والسمنة والأمراض الجلدية كالبرص والبهاق، إذ تُعتبر المرأة المصابة بها "غير صالحة للزواج". يليها أمراض الكلى والسكري والسرطان والمناعة الذاتية التي ترتبط بالخوف من الأعباء المالية والسمعة. أما الرجل المصاب بالأمراض ذاتها فلا يواجه العقبة نفسها، فالمجتمع الشرقي لا يعيبه شيء."
دور التقاليد والضغوط النفسية
الموروث الاجتماعي والتقاليد يعززان الوصمة فيُنظر إلى مرض المرأة كعلامة ضعف، لتجد نفسها أمام مواجهة مزدوجة: ألمها الخاص وضغط المجتمع لتبدو "مثالية".
تقول الاستشارية النفسية بيداء علي، لموقع هودج: "في مجتمعنا، مرض المرأة يُربط بالعجز وعدم الكفاءة، فيتحول إلى وصمة تُلصق بها وبأسرتها، بسبب قلة الوعي بطبيعة المرض وحقوقها."
وتضيف: "الجسد الأنثوي في الثقافة اليمنية يُعتبر مرآة لشرف العائلة. وعندما يمرض، يُنظر إليه كتهديد. هذه الموروثات لا تترك للمرأة مساحة لتُرى كإنسانة تحتاج رعاية، بل كمسؤولية ثقيلة على عائلتها."
وتؤكد: أن الصمت الذي تفرضه الأسر خوفًا من "الفضيحة" يحرم النساء من طلب المساعدة. كثيرات يعشن العزلة والخوف بدلًا من الدعم، مما يضاعف الأثر النفسي للمرض.
الحاجة إلى دعم نفسي واجتماعي
يوجد طبيب نفسي واحد لكل نصف مليون نسمة، هكذا هو واقع الحال في اليمن وهو ما يجعل الوصول إلى العلاج شبه مستحيل.
وتبرز أهمية توفير الدعم النفسي والاجتماعي للنساء، عبر الاستشارات النفسية، دعم الأسرة، وتوفير بيئة اجتماعية تشجع على الحديث عن المرض دون خوف.
تعمل منظمات مثل صندوق الأمم المتحدة للسكان على توفير خدمات الدعم النفسي والاجتماعي، حيث استفاد أكثر من 100 ألف شخص عام 2023. كما تشير تجارب في الأردن ولبنان وأوروبا إلى نجاح برامج دمج النساء المريضات في التعليم والعمل لتخفيف العزلة.
وتشدد محمد: "الكلمة الطيبة أو جلسة الدعم قد تُنقذ حياة كاملة."
وتشير محمد إلى إمكانية الاستفادة من نماذج وبرامج نجحت في تخفيف آثار هذه الوصمة قائلة:" بعض برامج التثقيف تضمنت رفع وعي المرأة وكذلك منحها الدعم النفسي والاجتماعي الذي تحتاجه من خلال توفير بيئة آمنه لها، وكذلك تأهيل وتدريب مهاراتي وكذا منحها فرصة لتكون معيل لأسرة. كل ذلك خفف من عبء شعورها وغير من نظرة المجتمع لها وأعاد للمرأة الشعور بأنها تمتلك الكثير لتقدمه للمجتمع بدلا من حصر دورها في رعاية الأطفال وتقديم عطاءات لا متناهية في خدمة الأسرة.
من جهتها، الاستشارية علي، توضح أن احتياجات المرأة لمواجهة الوصمة النفسية والاجتماعية تختلف بحسب العمر والوضع الاجتماعي، لكنها تركز على مساحة أمان للتعبير والدعم النفسي المستمر، مع الاعتراف بقيمة المرأة وقدرتها على العطاء رغم المرض.
وتضيف: الفتاة الشابة تحتاج إلى طمأنة حول مستقبلها وزواجها، أما المرأة المتزوجة فتحتاج تعزيز مكانتها كامرأة مستقلة لها قيمة بغض النظر عن صحتها الجسدية.
وترى النعماني أن: "الحل يبدأ بتحويل الأسرة والمجتمع من مصدر ضغط إلى سند حقيقي. المطلوب أن نتعامل مع المرض كأمر طبيعي وقدر من الله، وأن نقدّم للمريضة الدعم النفسي والمعنوي ونساعدها على الالتزام بعلاجها، بدلًا من عزلها."
.png)
